الرئيسية / تحقيقات / المعابر البريّة السورية .. خارطة السيطرة المتغيرة تخلخل اقتصاديات دول الجوار

المعابر البريّة السورية .. خارطة السيطرة المتغيرة تخلخل اقتصاديات دول الجوار

محمد صالح

 

مع خروج معبر نصيب الحدودي مع الأردن من يد النظام، نتيجة سيطرة قوات المعارضة السورية عليه في الشهر الرابع من العام الماضي، أصبح النظام السوري معزولاً من جهة الشمال والجنوب والشرق، ولم يبق لديه بريّاً، إلا المعابر التي تربطه مع لبنان من جهة الغرب.

 

وأمام هذه العزلة بعد فقدان السيطرة على الحدود، نكون أمام واقع يدعو للتساؤل عن أهلية النظام بعد أن خسر ركناً أساسياً من أركان السيادة، وهي التحكم بالمعابر البرية، التي كانت مفاتيح إدارة الحدود مع خمس دول تحيط بسوريا، وهي الأردن ولبنان والعراق وتركيا والجولان المحتل، حيث أصبحت في أغلبها خارج سيطرته

 

وفي هذا التحقيق الذي أجرته “صدى الشام”، سنبحث في الضربةً الاقتصادية الكبيرة التي أصابت النظام نتيجة سيطرة المعارضة على أغلب المعابر الحدودية، وسيطرة “داعش” والـ PYD على بعضها، حيث وصلت خسائره اليومية إلى 10 ملايين دولار، ناهيك عن تأثر دول الجوار بذلك باعتبار أن سوريا نقطة عبور لحركة تجارية تخدم دول المنطقة.

 

المعابر السورية وخارطة السيطرة

 

مع الأردن:

  • نصيب (جابر): سيطرت جبهة النصرة وفصائل معارضة في نيسان من العام الماضي، على معبر نصيب في محافظة درعا جنوبي سوريا (يقابله جابر على الجانب الأردني).

  • الجمرك القديم (الرمثا): سيطرت جبهة النصرة وفصائل معارضة في تشرين الثاني 2013، على معبر الجمرك القديم (يقابله الرمثا على الجانب الأردني).

مع العراق:

  • البوكمال (القائم): سيطر الجيش الحر على معبر البوكمال السوري (ويقابله القائم من الجانب العراقي)، وذلك بعد سيطرته على مدينة البوكمال في تشرين الثاني 2012. لكن تنظيم داعش عاد ليسيطر على مدينة البوكمال ومعبرها الوحيد مع العراق في تموز 2014.

  • اليعربية (ربيعة): سيطر الجيش الحر على معبر اليعربية في محافظة الحسكة (يقابله ربيعة من الجانب العراقي) في تموز 2012، قبل استعادته سريعا من قبل قوات النظام السوري، ثم سيطرت عليه قوات البشمركة الكردية وفصائل كردية سورية مسلحة في تشرين الأول 2014، ومازال تحت سيطرتها حتى الآن.

  • التنف (الوليد): معبر التنف هو المعبر الوحيد مع العراق الذي لا يزال تحت سيطرة قوات النظام، إلا أن تنظيم داعش يسيطر على الجانب العراقي (معبر الوليد)، لذلك فهو متوقف عن العمل بشكل رسمي، لكنه لم يزل معبرا للتهريب من الجهتين.

مع تركيا:

ينتشر على طول الحدود التركية السورية 13 معبراً، بعضها مغلق من الجانب التركي مثل معبر كسب في اللاذقية، والقامشلي في محافظة الحسكة، وهما لا يزالان من جانبهما السوري تحت سيطرة النظام. بينما تدير المعارضة السورية معبري باب السلامة التابع لمحافظة حلب، وباب الهوى التابع لمحافظة إدلب، ويتحكم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بمعابر تل شعير في عين العرب التابعة لحلب، ورأس العين في الحسكة ومعبر تل أبيض، ويسيطر تنظيم داعش على معبر جرابلس في حلب.

مع الجولان المحتل:

سيطرت جبهة النصرة وفصائل إسلامية معارضة في آب 2014، على معبر القنيطرة، وهو المعبر الوحيد مع الجزء المحتل من الجولان الذي تسيطر إسرائيل على نحو ثلثي مساحته منذ عام 1967.

مع لبنان:

المعبران الرئيسيان، وهما العريضة وجديدة يابوس، لا يزالان تحت سيطرة قوات النظام السوري، وكذلك الأمر بالنسبة للمعابر الأصغر، وهي الدبوسية وجوسية والعبودية وجسر القمار، رغم سيطرة قوات المعارضة على بعضها لفترات متقطعة.

الحدود البحرية:

الجزء المتبقي من الحدود السورية مفتوح على البحر الأبيض المتوسط، والمرافئ البحرية كلها بيد النظام.

لبنان.. خسائر بملايين الدولارات

تقع كل المعابر مع لبنان تحت سيطرة النظام، باستثناء بعض الطرق الوعرة في المناطق الجبلية، والتي تستخدم لنقل المصابين ولتهريب بعض السلع إلى المناطق المحاصرة. وقد استمرت المعابر الرسمية بإمداد النظام باحتياجاته من السلع المستوردة المختلفة، عبر حلفائه في الحكومة اللبنانية، كنوع من الالتفاف على العقوبات المفروضة على النظام.

استمرت المعابر الرسمية اللبنانية بإمداد النظام باحتياجاته من السلع المستوردة المختلفة، بينما أدى إغلاق معبر نصيب الحدودي مع الأردن إلى تعرض 35% من الصادرات اللبنانية للخطر

لكن آثار إغلاق أغلب المعابر الحدودية لسوريا مع دول الجوار ولا سيما الأردن، لا تقتصر على وضع الدولة المعنية وسوريا فقط، بل إن تأثير إغلاق أي معبر يطال جميع دول الجوار. وقد تسبب إغلاق الحدود بين سوريا والأردن، بخسائر كبيرة لقطاع الاستيراد والتصدير في لبنان، حيث يعتمد جزء كبير من الاقتصاد اللبناني على نقل المنتجات الزراعية من فواكه وخضراوات وحبوب إلى دول الخليج والدول المجاورة عن طريق معبر نصيب الحدودي مع الأردن. وقد أدى إغلاق المعبر إلى تعرض 35% من الصادرات اللبنانية للخطر، ليلحق قطاع التصدير البري بركب السياحة اللبنانية التي تراجعت بسبب الحرب السورية.

وكشف نقيب مالكي الشاحنات المبردة عمر العلي، في تصريح سابق له، خسائر بملايين الدولارات من توقف المعبر، مؤكداً أن النقل عبر البحر مكلف من حيث الوقت والأجور

كما كانت خسارة لبنان من قطع الطرق بين الساحل السوري والأردن من جهة، وإغلاق معبر جابر نصيب من جهة أخرى، بتوقف جزء كبير من صادراته إلى الأسواق الأردنية بالذات، كبديل عن الأسواق السورية المجمدة بسبب الحرب. إضافة إلى انخفاض نسبة الإشغال بالميناء، والتي كان تجار الأردن يستفيدون منها كنوع من التهرب الضريبي بفعل المعاهدات العربية الموقعة بين لبنان والأردن من جهة ولبنان وباقي دول العالم من جهة ثانية.

خسائر هائلة لمستثمري الأردن

أدى إغلاق المعابر الحدودية بين الأردن وسوريا إلى إيقاف حركة تجارية بنحو ملياري دولار، إضافةً إلى تضرر مصالح الشركات السورية الأردنية التي وضعت أموالها في المنطقة الحرة المشتركة الموجودة في المعبر، حيث يحظى معبر نصيب بأهمية استراتيجية للمصدّرين السوريين العاملين في مناطق سيطرة النظام، لوقوعه على الطريق الدولي الرابط بين دمشق وعمان.

ويعتبر معبر نصيب شريان الحياة الاقتصادية لسوريا الذي يربطها مع الدول الأوروبية ودول الخليج، حيث أن طريق 70% من طعام ومستوردات وصادرات الأردن، كان يمر عبر سوريا.

وأدى توقف المعبر عن العمل إلى تعرض نحو ألف مستثمر تقدّر استثماراتهم بأكثر من مليار دولار، للخسارة، نصفهم من الأردن. وقدّرت جمعية المستثمرين في الأردن، خسائر قطاع النقل الأردني وحده من إغلاق المعبر، بنحو نصف مليار دولار.

كان أكثر من 70% من طعام ومستوردات وصادرات الأردن، يمر عبر سوريا، وأدى توقف معبر نصيب إلى تعرض نحو ألف مستثمر تقدّر استثماراتهم بأكثر من مليار دولار، للخسارة.

أما معبر الجمرك القديم (درعا –الرمثا) فهو معبر مغلق من قبل الأردنيين. وقد ساهم إغلاق المعابر في تعميق الأزمة الاقتصادية الأردنية، وفي تسريع انهيار البنى التحتية وتدهور الأوضاع في المدن المتاخمة للحدود الأردنية السورية، لتصبح معبراً لتجارة المخدرات اللبنانية والسلاح وتهريب البشر. إضافة إلى أن هذه المدن الحدودية باتت موطنا لعصابات المافيا العالمية، التي تقدم خدماتها للأطراف المتصارعة، وتمتهن التجارة لنفسها.

العراق ..الأقل تأثراً

كان العراق الأقل تأثراً من إغلاق حدوده مع سوريا. وفي المقابل، كانت خسائر النظام كبيرة جراء فقده سوقا أساسيا لتصريف منتجاته. وقد أكد رئيس اتحاد غرف الزراعة السورية لدى النظام، محمد كشتو، تراجع معدل تصدير البيض من سوريا إلى العراق بعد إغلاق معبر التنف ومعابر حدودية أخرى، حيث أصبح العرض على البيض أكثر من الطلب، فالطاقة الإنتاجية أكثر من احتياج السوق المحل. ورغم ذلك لم يتراجع سعر هذا المنتج في السوق المحلي.

ويعد العراق، سوق تصريف البيض الرئيسي لسوريا، حيث بلغت قيمة الصادرات من هذه المادة عام 2010 ملياراً ونصف المليار بيضة، لكن التصدير بدأ بالتراجع في 2013، ليعود بعدها قطاع الدواجن إلى حيويته في 2014. أما خلال العام الماضي، فكان من المتوقع أن تتحسن حال التصدير لكن الظروف الأمنية للمعابر الحدودية منعت ذلك.

لم يؤثر تغيير خارطة السيطرة على معبر التنف على مستوردات النظام من النفط والحبوب، سواء من العراق أو من الإدارة الذاتية، فقد عاد المعبر للنظام ليستخدمه في إدخال السلاح والمقاتلين، وتهريب الآثار باتجاه العراق ثم إيران، رغم إلان إقفاله رسميا.

أما معبر التنف الذي سقط بيد داعش فترة من الزمن ثم عاد للنظام ليبقى الجزء العراقي منه تحت سيطرة داعش، دون أن يؤثر على مستوردات النظام من النفط والحبوب، سواء من العراق أو من الإدارة الذاتية، لأن داعش تتقاضى الإتاوات على الشاحنات، فقد عاد المعبر للنظام ليستخدمه في إدخال السلاح والمقاتلين، وتهريب الآثار باتجاه العراق ثم إيران. إضافة إلى تهريب الذهب والعملة الصعبة بالاتجاهين. والحقيقة أن هذا المعبر ساعد النظام واقتصاده أكثر مما ساعد العراق، حيث أمّن له النفط والعملة الصعبة والمليشيات مع المقاتلين، كما أنه كان طريقا لتهريب المخدرات القادمة من لبنان إلى العراق، وهو ما أنهك الجنوب العراقي الذي كان يعتبر منطقة مستقرة قبيل التدخل العراقي في الثورة السورية.

كما يسيطر pyd على معبر الربيعة على الحدود العراقية، والذي كان طريقا لإدخال مليشيات الصدر عام 2013، لدعم الأسد ضد مقاتلي الجيش الحر في دير الزور وحمص. إضافة إلى تهريب السلاح القادم من إيران، للنظام ومليشياته. بالرغم من أن السيطرة على هذه المعابر لم تضف أية قيمة اقتصادية حقيقية للإدارة الذاتية التي أنشأها pyd، إلا أنها دعمته بأحلاف دولية، كجهة يمكن أن تعمل مع الجميع ضد الجميع.

لم تضف السيطرة على المعابر أية قيمة اقتصادية حقيقية للإدارة الذاتية التي أنشأها pyd، إلا أنها دعمته بأحلاف دولية، كجهة يمكن أن تعمل مع الجميع ضد الجميع.

تركيا…مكاسب معلنة وخسائر مسكوت عنها

سعت أنقرة إلى إتمام مشروع تركيا 2023، والقائم على تطوير مناطق الجنوب. وقد سبّب فتح الحدود بين سورية وتركيا حالة من الرضى لدى التجار الأتراك، حيث ارتفعت نسبة تصدير السلع المنتجة لديهم، وتحركت عجلة الاقتصاد، ما أقنع المسؤولين الأتراك أنهم على سكة 2023.

كما استطاع الأتراك أحيانا الحصول على سلع استراتيجية من سوريا بسعر بخس، كما حدث في 2013 عندما قام فصيل محسوب على المعارضة “غرباء الشام”، ببيع القمح لتجّار أتراك بسعر 10 ليرات سورية (كان السعر العالمي حينها 60 ليرة). كما أن هذه المعابر كانت منفذا لتهريب النفط إلى تركيا بسعر أخفض من سعر العالمي بنحو 90%. وانتعش عمل الفنادق والشقق في المدن الحدودية المهجورة، حيث باتت محجوزة على مدار العام بفعل المؤتمرات والنزوح. ومع تطور الصراع في سوريا، وطول مدته، بدأت هذه المعابر تسلك اتجاها مغايرا، فباتت طرقا لإدخال السلاح والمقاتلين، إضافة إلى تهريب السلاح من أوروبا الشرقية والقوقاز إلى سوريا، وتهريب الآثار السورية.

بات معبرا عين ديور وعين العرب طرقا سهلة لانتقال السلاح، عدا عن تجارة الآثار والمخدرات والنفط، وتهريب البشر

أدى ارتفاع أعداد النازحين إلى ارتفاع تكاليف الحياة في تلك المدن بالنسبة للسكان الأصليين، والعجز بالبنية التحتية، وهو ما أدى إلى حدوث التململ الاجتماعي وزيادة انتشار الجريمة، وكذلك انتشار خلايا نائمة لداعش في تلك المناطق، وهو ما قد يؤدي إلى تدخل الجيش التركي أسوة بتدخله في المناطق ذات الغالبية الكردية التي تحاذي معبر نصيبين المغلق، والذي يخضع لسيطرة النظام، ومعبر عين ديور ومعبر عين العرب، وهما تحت سيطرة pyd وقد باتا طرقا سهلة لانتقال السلاح، عدا عن تجارة الآثار والمخدرات والنفط، وتهريب البشر، وخاصة معبر عين ديور الذي يحكمه حزب pkk، وجناحه السوري pyd.

رأي اقتصادي

في تحليل لواقع إغلاق المعابر الحدودية بين سوريا ودول الجوار، قدم الباحث الاقتصادي يونس الكريم، لـ”صدى الشام”، رؤية مختصرة عن أبعاد الواقع الحالي السياسية. حيث قال إن “فوضى المعابر الحدودية التي تخلى عنها النظام دون الاستبسال بالدفاع عنها، بمشورة القوى العالمية، جاءت من أجل تجديد حكمه على سوريا بعد المواقف التي أظهرتها دول الجوار المؤيدة للثورة، لاستخدامها كنقاط ضغط على تلك الدول، فكان لهذه الفوضى دور بإطالة عمر النظام وتعويمه”.

إلا أن الدول المجاورة لمناطق النزاعات يمكن أن تستفيد من النزاعات في بداياتها، لكن تحول تلك النزاعات إلى حرب مستعرة يجعل الجميع خاسرين. وبحسب الخبير الاقتصادي يونس الكريم، فإن “عملات الدول المجاور لدولة تعاني من حرب داخلية تتأثر سلبا، فالمستثمرون غالبا ما يوقفوا نشاطاتهم المباشرة في هذه الدول، خوفاً من انتقال الحرب إليها. حيث يلجؤون إلى الاعتماد على خطة الاستيراد والبيع، لأن الأسعار المرتفعة لا تغطي ارتفاع تكاليف النقل. لكن ذلك يقود مع الوقت، إلى إفشال خطط التنمية في هذه الدول، وتحولها إلى اقتصادات تابعية بامتياز عابر”.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

تحقيق: هكذا تورط الاتحاد الوطني لطلبة سورية في قمع وتعذيب الطلاب بعد 2011

أكد تحقيق أجراه المجلس السوري- البريطاني تورّط الاتحاد الوطني لطلبة سورية في مجمل عمليات القمع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *