الرئيسية / Uncategorized / غالية بنعلي .. العرب والهند والغجر والدراويش في اسطنبول

غالية بنعلي .. العرب والهند والغجر والدراويش في اسطنبول

trt العربية /

كنا نعرف أن للمغنية التونسية، غالية بنعلي، صوتا رائعا. وسمعنا على الـ”يوتيوب” والـ”ساوند كلود” المقطوعات التي أعادت غنائها من التراثين التونسي والعربي، بسخاء شعوري رقيق، لكن لم يؤهلنا ذلك، ولم يخبرنا أحد، وما كنا لنصدقه لو فعل، أننا سنذهل عن أنفسنا في مسافات الجمال التي قطعتها بنا علوًّا نحو السحاب.

في حفلها الذي نظم، مساء الاثنين، ضمن فعاليات “مهرجان اسطنبول للفيلم”، كانت المقاعد محجوزة عن آخرها بـ”salon IKSV” وفاق عدد الحضور الوقوف الجلوس منهم. ولم يقتصر على الجالية التونسية والمغاربية المقيمة في مدينة اسطنبول التركية، بل جمع صوت غالية بنعلي، الأجانب الفرنكفونيين في المدينة، وهو الأمر المفهوم كون بنعلي ولدت وعاشت في العاصمة البلجيكية بروكسل، معظم سنوات عمرها، كما جذب حضورا من الأتراك ومن الجاليات العربية.

انطلق الحفل في موعده، على الساعة التاسعة والنصف مساء، وأطلت غالية بنعلي مع موسيقيين من فرقتها مع آلة “السيتار” الهندية العريقة، كان يبدو المشهد كما لو أنه اقتص من وصلة طربية هندية، مع الزي الهندي الذي أحبته بنعلي كما تقول منذ طفولتها من الأفلام الهندية، ولبسته في حفلها، وتماهى معه موسيقيي فرقتها بأزياء مماثلة، لكن عندما بدأت الغناء، كان ذلك بقصيدة الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي “ليل الأشواق” ولتتخيلوا المزيج بين الصوت التونسي والإيقاعات الهندية والشعر العربي الفصيح، لقد كان من الإذهال بحيث عصف تصفيق الحضور بالمسرح، بالأخص كلما بلغ الشجن مداه في صوت بنعلي بقول أبو ماضي:

“خلت أنّي إذا بعدت سأنساها* و طوي الزّمان سفر هواها
وتوهّمت أنّني سوف ألقى* ألف ليلى وألف هند سواها
فإذا الحبّ كالفضاء * وقلبي طائر في الفضاء ضلّ وتاها”
في ليلتها، انتقلت بنا غالية بنعلي بين أشعار الحلاج، ومحي الدين ابن عربي، مع مصاحبة من موسيقيين آخرين من فرقتها، التحقوا بالمسرح، على آلات العود والقانون والكمان، وبالوصول إلى عاشقة الله رابعة العدوية، غنت:

“راحتي يا أخوتي في خلوتـي
وحبيبي دائماً فـي حضرتـي
لم أجد لي عن هـواه عوضـاً
وهواه فـي البرايـا محنتـي
حيثما كنـت أشاهـدحسنـه
فهـو محرابـي إليـه قِبلتـي”
وفي ختام القصيدة، انطلق صوت بنعلي كالمُسبّح في الملكوت، تتذبذب العاطفة فيه بين مقطع واحد “دام، دام دائما”. هنا سطع الضوء على درويش صوفي من تكايا تركيا، حلق بجلبابه الأبيض مع صوت بنعلي الذي بات يصعد في يقين، وينخفض في دفء، ولم تكن هناك أبدا حينها حاجة إلى أن نكون جميعنا، في المسرح، مسلمين، ولا إلى أن نتكلم جميعا لسانا واحدا، لقد كان ذات الفيض من المشاعر ينتقل بين الحضور، كما الروح الشاسعة التي لا تحتاج إلا إنسانا حتى يدركها ويستوعبها بقلبه.
في الحياة يخوض الإنسان رحلة مزدوجة، واحدة باتجاه دنياه، والثانية باتجاه نفسه فيها. خطين متوازيين، قد يتعاركان ويتناقضان ولا يفضيان إلى يقين، أو يستسلمان لمهادنات تخلق السلام الروحي، وربما هو ما قصدته بنعلي حين التقطت أنفاسها لتقول، إنها مازالت في رحلة مع الموسيقى “أتشاركها معكم الآن في تركيا التي أغني فيها للمرة الأولى”.
وكمن يغزوك دون أن تعرف متى أو كيف، سكبت بنعلي في أرواحنا بصوتها قصيدة تقول كلماتها “حتى تغمض عينيك لا تهرّبا ولا تنهدا، الحياة لا ترضى منها بالأنصاف، نصف الحب لن يشبعك، كن عاشقا أو لن تكون، كن وطنا أو لا تكون” كانت وهي تغنيها ترقص بقدمين حافيتين، وبدت حينها أشبه بالغجرية التي ترقص حول نار لا تريد لها أن تنطفئ، كانت تلك الجذوة في أرواحنا، وأتخيل أن الجميع مثلي في تلك القاعة قد سألته نفسه عن الجموح والشغف والصدق الذين تستحق الحياة أن تعاش تحت سطوتهم.
وليكتمل المساء بحضور تونس والمغرب العربي، غنت بنعلي “لاموني اللي غاروا مني” وردد كلماتها الحضور، دلالة على أن هذه المقطوعة التي تتحدث عن الخاص الغامض الذي لا يفهم كنهه في أسباب الحب، انتقلت من محليتها كتراث تونسي إلى العالم العريض الإنساني.
ولم تكن الأغنية الوحيدة التي تشاركت المنشأ والهوية، بل أغاني “كوكب الشرق” السيدة أم كلثوم كذلك، فغالية بنعلي، كما تحكي عن نفسها، استمعت كل ليالي طفولتها في الجنوب التونسي الصحراوي، لأغاني “الست” وحفظتها عن ظهر قلب من حينه، بل إنها وكما تقول كانت تظنها جدتها، فصورة أم كلثوم كانت تتوسط صورتي والدها وأمها في غرفة نومهما.

هذه القرابة جعلت غالية بنعلي، تطلق مشروعا غنائيا، أعادت فيه تقديم أغاني السيدة أم كلثوم بصوتها وطريقتها الخاصة. قدمته في أوروبا سنة 2009، ولقي نجاحا كبيرا، قادها إلى غنائه على المسارح المصرية، وليحط في اسطنبول جزء منه بأغنية “ألف ليلة ولية” وهو ما بالإمكان الوصف به ما منحته غالية بنعلي لجمهورها ليلتها. لقد حضرنا العرب والهند والغجر والدراويش.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *