صدى الشام
من كل هذا الدمار الذي صار يسكن مدننا وأرواحنا، عمّر السوريون قصائدهم مثقوبة القلب، عمروها كي يواجهوا الموت فيهم بنبضها الذي لا يموت.
بسابقة مميزة، أقام عشرون صوتا سوريا مهرجاناً لشعرهم الطالع من تفاصيل غربتهم، شعرهم الذي قُصف واعتُقل وعُذب معهم هناك، شعرهم الذي واجه وهتف، والذي وقف أمام بارودة القناصة، شعرهم الذي نزح معهم، ومعهم ركب البحر، ومعهم مات موته المالح، شعرهم الذي وصل ما بقي منه مع ما بقي منهم إلى ألمانيا، والذي يقيم معهم الآن في منفاهم وينام معهم في فراش الحنين.
كم هو موجع على الروح السورية أن يقام مهرجان لقصيدتها في بلاد اللجوء، ومع هذا فإن مهرجان الشعر السوري الأول في “كولن”، والذي أقيم في يومي 19 و20 آذار، كان كصرخة السوري القادم من أقدم حضارات الأرض، ومن أقدم أبجدياتها، السوري ابن أول الأساطير الأولى وأشعارها، وابن الشعراء الذين استطاعوا بالرغم من كل التغييب الثقافي المقصود طيلة حكم الأسد إثبات وجودهم كأهم قامات الشعر العربي الحديث؛ السوري ابن الماغوط وابن رياض الصالح الحسين، وابن نزار الذي وزع شعرا وعشقا لكل العالم، لذا فقد كان هذا المشروع محاولة مضنية لإعادة ملامح السوري الحضارية التي شوهها نظام قاتل مرتين؛ مرة حين قتلها وغيبها، ومرة حين اخترع الرايات السود التي أكلت ما تبقى منها.
جاء مهرجان الشعر السوري الأول في “كولن” ضمن فعاليات دخول الثورة السورية اليتيمة عامها السادس، كردة فعل ثقافية حضارة على كل هذا الخراب، وضمن احتفاء العالم بيوم 21 آذار كيومٍ للشعر العالمي.
تضمن المهرجان عشرين صوتا سوريا مقيما في ألمانيا، مختلفي الأعمار والتجارب، ومتنوعي المدن السورية الأم، التي سقطت من كفّ قصائدهم هناك. ففي اليوم الأول قدم كل من مها بكر، رائد وحش، مروان علي، فدوى كيلاني، عمار الجمعة، إبراهيم حسو، ريبر يوسف، رشا حبال، حسن إبراهيم الحسن، فايز العباس..
أما في اليوم الثاني فقد قدم الشعراء: وداد نبي، خضر الآغا، عسّاف العسَاف، لينة عطفة، أحمد الشمّام، حسن الشاحوت، يونس الحكيم، سرى علوش، عارف حمزة، محمد المطرود.
أطلت الحرب من كل القصائد مرعبة وصادمة، مثلما طفت وجوه الغرقى على سطحها، وجاءت الكلمات معطوبة ومصابة بشظايا كثيرة، وكان ركام المنازل والشرفات يغطي الصور والاستعارات، ويجعل المشهد الشعري واضحا وقويا كالحب وكالموت.
“لأنَّ القصيدةَ ممكنةٌ فالحياةُ ممكنة”، بهذا الشعار قدم الشعراء قصائدهم “مُنتصرينَ بذلكَ للفكرةِ والمعنىَ بمواجهةِ آلةِ الحرب، ومؤكدينَ على دورِ الكتابةِ في إيجادِ علاقاتٍ صحيةٍ معَ الشعوبِ خارجَ المظلوميات والصورة النمطية للجوء وعُقَدِ النقصِ اتجاه الآخر”، كما قال مدير المهرجان، الشاعر محمد المطرود، والذي كان له الدور مع عدد قليل جدا من الشعراء السورين المقيمين في كولن، بإنشاء وإنجاح هذه الظاهرة، وتحمل كامل أعباء ذلك وحدهم، والذي قال في إجابته لصحفية ألمانيا حول الثقافة السورية: “إن الحديث عن الثقافة السورية طيلة خمس سنوات الثورة سيكون مرتبطاً بكل الأحول بالحال قبل ذلك، أي قبلَ الثورة، والتي صار الإعلام يروّج على أنها حرب بينية وأهلية، أو حرب ضدّ داعش المُحدثةِ أساساً بتواطؤٍ من النظام السوري المكرّس كنظام استبدادي ومستلب لإرادة الشعب طيلة 50 سنة، تحديداً منذ استلام حافظ الأسد للحكم في السبعينيات، وإطلاق يد الأمن، وتغييب الحياة المدنية لصالح شعارات جوفاء، منها الحرب على إسرائيل والتوازن الاستراتيجي مع العدو، إلى توريث بشار حافظ الأسد والسير على نهج أبيه من حيث كتم الحريات والإثراء وتشكيل طبقة متنفذة على حساب طبقة معدمة ما دون خط الفقر، وبالتالي إعدام (الطبقة المتوسطة) والتي تعتبر ضمانة اقتصادية وثقافية لكل مجتمع. لكن الشاعر والإنسان السوري كان ينتزع قصيدته دائما ويبقيها مميزة برغم ذلك، وكان يشكل العدو الأكبر لنظام الطاغية”.
وعن سؤال وجهته له “صدى الشام” حول انطباعه الحقيقي بعد نهاية هذا المشروع الصعب، قال: “إن مهرجان القصيدة السورية الأول في ألمانيا كان مغامرة بحق. ولو فكرنا كثيرا في العواقب لما أقدمنا على هكذا فعل بإمكانات شخصية.. الجهد الذي قام به مجموعة أشخاص لا يتجاوز عددهم أصابع الكف الواحدة، حقق ما لا تحققه مؤسسة أو دولة من حيث التنظيم والاستضافة والزخم الإعلامي الذي رافق المهرجان. لقد كانت هناك رسائل كثيرة حملتها هذه المبادرة الثقافية والمنتصرة لسوريتها، ربما شيء من هذه الرسالة تضمنته الرسالة التعريفية للمهرجان: (لأنَّ القصيدةَ ممكنةٌ فالحياةُ ممكنة)”.
وأما عن تقيمه النهائي للمهرجان، فقد أجاب الشاعر محمد بكل شفافية “لا ندعي بأننا كنا بلا أخطاء، لكنها أخطاء صغيرة فيما لو قورنت بحجم العمل الذي قمنا به. نعتبر أن المهرجان حقق رسالته ونجح نجاحا باهرا، لذلك صرنا نتلقى دعوات من أشخاص وجهات مختلفة للتعاون معنا في مشاريع قادمة”.
وفي رده على تساؤلنا حول رأيه بالسوية الفنية التي قدمت فيها القصائد، قال: “لقد كانت المستويات في أغلبها عالية. وُجد تفاوت في الأشكال الشعرية، وربما لم يوفق بعض الشعراء في انتقاء نصوص بالمستوى العام للمهرجان، وهذا طبيعي، فالعدد كبير والمنافسة كانت موجودة، والجميع وصل إلى قناعة بأن هذه التظاهرة كانت فرصة ذهبية لإعادة النظر في الكتابة عموما”.
وقد أنهى حديثه بشكره العميق “للأصدقاء الأوفياء” كما سماهم، والذين كان لدعمهم ومحبتهم الأثر الأكبر في تذليل الصعوبة طيلة فترة التحضير، ومن ثم أثناء المهرجان وما بعده.
بالمجمل، لقد استطاع هذا المهرجان فرض نفسه كظاهرة ثقافية سورية، ظاهرة تحارب بالشعر والجمال الحرب والقمع، وقد استطاع فعلا الحصول على اهتمام إعلامي من الصحافة العربية والألمانية ضمن حضور جمهوري سوري جيد ومفاجئ، حضور للسوريين الكثيرين الذين انتقلت كل حياتهم إلى دول اللجوء، والذين لم يعد لديهم غير القصيدة كي يتمسكوا بها كآخر طوق للنجاة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث