باريس – هالة قضماني
حيرة يقع فيها المتابع للمواقف والسياسات
والمجتمعات في الدول الأوروبية والولايات المتحدة وغيرها مما يشمل عبارة
“الغرب ” عندما يشاهد ترسخ القناعة لدى أبسط الناس وأعقدهم من بين
السوريين وغيرهم من العرب بأن المؤامرة الدولية الكبرى على المنطقة ليست فقط مؤكدة وإنما هي أعظم وأفظع مما كان
أحد يتصور. لا شك أن تسارع الأحداث وهول ما وصلت إليه الأمور في سوريا والعراق
وفلسطين في الأسابيع الأخيرة يبعث إلى اليأس والعجز عن التفسير المنطقي خارج إطار
المؤامرة الغامضة الملامح والأهداف والمضمون. وأمام تكاثر الأحاديث والمقالات التي
أصبحت تبدأ اليوم بعبارة “لست من المؤمنين بنظرية المؤامرة ولكن……” يخطر
لمن يراقب ويعيش بين أصحاب المؤامرة المزعومة أن يجيب “لست من المؤمنين بوجود
مؤامرة لأن….”
وإن كان من الصعب نظريا اثبات الغياب إلا أن كل
ما نشهده اليوم من ارتباك أو لامبالاة أو تخبط
في أحسن الحالات في مواطن سايكس وبيكو وبلفور وكسنجر وغيرهم من عمالقة تاريخ المؤامرات في الشرق الأوسط يدل على غياب أي سياسة مرسومة للمنطقة، ناهيك عن
مؤامرة. فللمؤامرة منطق وشروط وخطوط ورجال تبدو مفقودة عند من يصعب أن يقال عنهم
اليوم “صناع القرار” في الدول الكبرى أو ذات النفوذ سابقا. والمشكلة لا
تكمن في غياب أحجام مثل الرئيس أيزنهاور الذي أنهى العدوان الثلاثي على مصر عام
1956 أو ديغول الذي وصف شعب اسرائيل بالمتغطرس عام 1967 أو حتى جاك شيراك الذي وضع الفيتو الفرنسي في الأمم المتحدة ضد
القرار الأمريكي بضرب العراق عام 2003.
المشكلة الأكبر هي الانطباع بأنه لم يعد لدى المسؤولين الغربيين ولا السياسيين ولا
الشعوب أي طموح أو إرادة في التأثير على احداث العالم، وعلى رأسها احداث الشرق. فقد
بات الابتعاد عن تلك الساحات العنيفة والمخيفة والمقرفة والمعقدة التي لم يعد
يحاول حتى أن يتفهم تطوراتها غير الخبير المستشرق والمتابع التاريخي واليومي
لأحداث منطقتنا هو المحبذ. فكما تغيب
الشمس في الغرب إن الغرب يسعى إلى غيابه عن الشمس.
وتجلت ملامح هذا الانطواء الغربي الجديد منذ
بداية الأزمة السورية حيث تحولت صعوبة اتخاذ موقف إلى سياسة الامتناع عن اتخاذ
القرار. المثل الأفضح والذي شكل منعطفا كارثيا للوضع السوري جاء في الصيف الماضي
عندما تراجع الرئيس الأمريكي أوباما عن الخط الأحمر الذي رسمه بعد استخدام نظام الأسد
للأسلحة الكيماوية في الغوطة. منذ ذلك اليوم استراح المسؤولون الأوروبيون من
الشعور القليل بالمسؤولية أو الذنب تجاه مأساة الشعب السوري وألقوا اللوم على
أمريكا ورئيسها مقرين بضعفهم وعجزهم وغياب استقلالية القرار الأوروبي أو متحججين
به. فكيف نفهم أن يأتي مسؤولون كبار في
الوزارات وغيرها من مراكز القرار السياسي الفرنسي مثلا ليسألوا معارضين ومثقفين
وناشطين سوريين “ماذا نفعل؟” يكون هذا السؤال صادق وبريء وحريص على
انقاذ الوضع ولكنه تعبير لا يقل صدقا عن الارتباك العميق والحيرة الكاملة لدى
المسؤولين الغربيين عن إمكانية أي تحرك أو فعل، من طرف دولة معينة أو مجموعة
أوروبية أو منظومة دولية. وقد علق استاذ العلوم السياسية الفرنسي جان بيار فيليو
الذي ينفرد في مواقفه والتزامه بدعم الثورة السورية في محاضرة مؤخرا : “يقولون أن بوتين عاد إلى الحرب
الباردة…إلا أنها حرب يخوضها وحده، فليس هناك محارب أمامه” . من كان يتصور
منذ بضعة سنوات أن يسرع وزراء كبار الدول الغربية ومسؤولين المجتمع الدولي إلى
الاجتماع في جنيف حول القضية السورية بالأمس القريب أو كمنادين لوقف اطلاق النار في
غزة بالأمس الأقرب دون الخروج بأية نتيجة؟ لقد باتت القمم العالمية مجرد صور
متلفزة ومهرجانات خطابية شبيهة بالقمم العربية أو الافريقية.
أما عن أسباب تراجع الإرادة والنفوذ الغربيين في
التعامل مع الأزمات السورية والعراقية والفلسطينية وضياع كل المنطقة بين أيدي
إرهابيين إسلاميين وأنظمة عربية مجرمة ودولة يهودية مطلقة العنان، فهي عديدة
ومعقدة ، ولن ندخل في تفاصيلها سوى للتركيز علىأأ أن المصالح الغربية في بلادنا تغيرت وربما انتهت بنظر
صناع القرار الجدد وعلى رأسهم رئيس الولايات المتحدة. إن شرطي العالم الذي عانينا
من أفعاله منذ أجيال وشكينا من دوره ومؤامراته عبر تاريخنا الحديث قد استقال من
مهامه. ربما هذه هي المؤامرة الأكبر التي لا بد أن نقر بها أي غياب المؤامرة
الخارجية، مل يعني نهاية سلبيتنا واللوم على غيرنا وبداية مسؤوليتنا، أي بداية
طريق عصيب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث