عبد القادر عبد اللي
لعل البحث في سلوك داعش العسكري والإنساني أنسى الناس –أو جعلهم يتناسون- سلوكاً مهماً أدى إلى نتائج اقتصادية لابد من طرحها لإكمال المشهد العام.
لاشك أن صور قطع الرؤوس المنتشرة على يد عناصر داعش، وفرضهم الجزية وتدمير دور عبادة وأبنية تاريخية تعود لقرون تؤدي وظيفة هامة تخدم نظام الولي الفقيه وولاته في سورية والعراق، وتحوله من فاعل مجرم يذبح أطفال سورية وغيرها إلى ضحية يُبرر لها ارتكاب جرائم تصفها المنظمات الدولية بأنها ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.. ولكن هل تتوقف الفائدة عند هذه الحدود؟
قبيل الثورة السورية كان شحن الترانزيت بين تركيا والخليج، وحتى بين دول شرق أوربا والخليج يمر بمعظمه من سورية، وبعد أن تأججت نيران القضية السورية انقطع هذا الخط ليتحول بجزء كبير منه إلى العراق، وبجزء صغير جداً منه عبر البحر إلى مصر، ومنها عبر البر إلى البحر الأحمر، ومن هناك تقطع البحر الأحمر إلى السعودية ومنها إلى الخليج، وبالطبع هناك جزء من هذا الجزء يمر عبر قناة السويس إلى الموانئ السعودية مباشرة، فهذا الجزء صغير جداً لأن الطبيعة تفرض أن يكون صغيراً، ولكن السيسيين يهددون بقطع هذا الطريق عبر محاولة الإعلام المصري الرسمي والخاص الأشد رسمية من الرسمي أن يبالغ كثيراً في هذا الجزء ليعتبره شريان الحياة لتركيا، وقد قال لي بروفيسور في إحدى الجامعات المصرية مباركي سابق وسيسي لاحق: “تركيا ح تبوس جزمتنا عشان الترانزيت”، وطبعاً لم أجد ضرورة لسؤاله من يبوس جزمة من في الترانزيت الإسرائيلي عبر مصر.
وهكذا حوصرت تركيا بنسبة كبيرة، ولم يبق لديها سوى مخرج واحد هو العراق. وأصبحت شاحنات البضائع التركية تذهب إلى أقصى جنوب شرق الأناضول، ومن هناك تدخل إلى الأراضي العراقية، ولتفرغ حمولة بعضها هناك، وبعضها الأخر يكمل طريقه إلى الكويت والسعودية وبقية دول الخليج، ولكن أولى نتائج تمدد داعش في الموصل كان خطف مئات السائقين الأتراك ومصادرة شاحناتهم وحمولاتها، وبهذا قطعت داعش الطريق على البضائع التركية، ومنعتها من استخدام الأراضي العراقية بقرار دموي. وإذا دخلت البضائع التركية إلى كردستان العراق، فليس ثمة طريق آمن إلى بغداد، وهذا يعني إغلاق داعش لطريق الشحن التركي إلى مناطقها ومناطق النفوذ الإيراني من العراق. ولم يبق لهذه البضائع سوى سوق كردستان العراق.
كان العراق أحد أهم أسواق المنطقة بالنسبة إلى تركيا، وعلى الرغم من كون القرار السياسي العراقي كاملاً بيد إيران، فلم تستطع إيران منافسة البضائع التركية في السوق العراقية عموماً، وبالطبع لن تستطيع إيران أن تنافس لأن السوق التركية مفتوحة، ويستطيع المُنْتِج التركي الحصول على المواد التي يريد، ويصنّع ما يشاء في المكان الذي يريد، وهذا غير متاح للإيرانيين الذين يعانون من عقوبات اقتصادية عديدة. لذلك فإن البضائع التركية تحتل حيزاً مهماً ليس من السوق العراقية فقط، بل من السوق الإيرانية نفسها.
نشر موقع المونيتور الذي ينشر من الولايات المتحدة ويهتم بشؤون الشرق الأوسط بأن الحركة عبر معبر “باب الخليل” بين تركيا والعراق قد انخفضت جداً بسبب عدم وجود طرق آمنة إلى بغداد وبقية المحافظات الجنوبية، من جهة أخرى، فإن منفذ المنذرية الحدودي الذي لم يسقط بيد داعش والمقاتلين الآخرين بين إيران والعراق شهد كثافة كبرى بالحركة، وقد اتخذت الحكومة العراقية إجراءات لتسهيل عبور البضائع عبر هذا المعبر، كما تم افتتاح معبرين آخرين لنقل البضائع من إيران إلى العراق، ويقول الناطق الإعلامي الرسمي لوزارة التخطيط العراقية عبد الزهرة الهنداوي بأن “الطلب على البضائع الإيرانية ازداد بعد أزمة الموصل.. وأصبحت إيران المصدر التجاري الأهم للعراق”…
لا يتوقف الأمر هنا، فبعد الحصار الذي فرضه أزلام الإمام الفقيه في العراق، اضطرت الشاحنات التركية لاستخدام الطريق البري الإيراني من أقصى جنوب شرق الأناضول إلى الجنوب، ومن هناك عبر شط العرب ومنها إلى الخليج، وهكذا أصبح المتنفس البري الوحيد لتركيا عبر إيران التي يَعتبر أزلامها أنهم يحاربون تركيا في سورية والعراق…
في أية ظاهرة، يُطرح السؤال التالي: “من المستفيد؟” فعلى الأرجح يكون المستفيد هو وراء هذه الظاهرة. تقطع داعش الرؤوس فتقطف ثمارها إيران، تقطع داعش الطرق فتتحول طرق الثروات إلى إيران، تقوم ثورات ضد أنظمة الولي الفقيه، فتبرز داعش محاربة لهذه الثورات، وتحول القضية إلى إرهاب أعمى، فيرتد الأمر أُكلاً طيباً لإيران… إذا كانت داعش ضد إيران كما تدعي نظرياً، فلماذا تبذل كل ما باستطاعتها لتقدم الخدمات إلى إيران؟ أم أن داعش العميقة هي داعش أخرى؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث