ثائر الزعزوع
ما إن خفت وتيرة القصف، وغابت الطائرات والبراميل ولو قليلاً عن السماء الملبدة بالغيوم، حتى لملم السوريون الثائرون ضد حكم آل الأسد أوراقهم، وخطوا لافتاتهم، وأعادوا تنظيم صفوفهم ثم انطلقوا إلى شوارع مدنهم المدمرة ليهتفوا بصوت واحد “الشعب يريد إسقاط النظام”. كنت تستطيع أن تلمح التعب في وجوههم، وتستطيع قراءة القهر، والحزن، لكنك أيضاً ترى بكل وضوح، ذلك التصميم العجيب، وتلك الحماسة، وذلك السلام الداخلي الذي يعيشونه، وهم الذين لم يعرفوا السلام ولا الأمان منذ خمس سنوات. ليس هذا مشهداً سينمائياً افتراضياً، وليس هذا فصلاً تائهاً من رواية تروي بطولات من تاريخ سحيق، بل هي حقيقة قد يعجز التاريخ الحديث عن العثور على مثيل لها في كتبه فيما بعد. وأنا أجزم أن البشرية ستنتظر عقوداً طويلة قبل أن تشهد مثل هذا الحدث الاستثنائي، لهذا هي ثورة وليست أي شيء آخر.
لم يعلّم أحد أولئك السوريين كيف يصبحون ثواراً أو كيف يصنعون ثورة، وهم لم ينشغلوا كثيراً بما ستؤول إليه الأمور لا في مفاوضات سياسية ولا في معارك عسكرية، لا يكترثون كثيراً لا بمن انتخبت المعارضة، ولا بمن يمثل النظام. مهلاً راقبوا ملامحهم، هل تعتقدون كثيراً بأنهم أصلاً يتابعون الأخبار؟ فعل الثورة فعل لا يمكن تفسيره، لأنه أصلاً نادر الحدوث في التاريخ. قليلة هي الأحداث التي تندرج تحت مسمى الثورة. صحيح أن كل انقلابي يسمي انقلابه ثورة، ويفرضها عيداً وطنياً على الشعب الذي يحكمه، وكل حزب يستولي على السلطة بطريقة لا تخلو من الدونية والانتهازية في بعض الأحيان، يقول لجماهيره إن ما فعله هو ثورة، إلا أن الثورة الحقيقية هي أمر مختلف تماماً عن هذه الأشياء كلها، فهي وكما أسلفت مراراً وفي هذه الزاوية، ليست حركة سياسية وليست اتفاقية بين طرفي نزاع، وليست حرباً، ولا ولا، بل هي طوفان جارف، هي حريق كبير يأكل الأخضر واليابس. كم يبدو هذا الكلام مرعباً، لكن هذه هي الحقيقة التي يريد الكثيرون أن يقنعونا بسواها، يريدون أن يقولوا لنا إن الثورة استغرقت زمناً طويلاً، وهذا صحيح، ويريدون أن يقولوا لنا إن عدد الضحايا كبير، وهذا صحيح ومؤلم، وأن يقنعونا أننا لم نكن بحاجة إلى كل ما حدث وما سيحدث لتغيير النظام الاستبدادي، وهذا ليس صحيحاً، وهم يريدون أيضاً أن يقنعونا أن التغيرات الكبرى في التاريخ لم تكن هكذا، وهذا أيضاً ليس صحيحاً، إذ من المفيد دائماً العودة لقراءة التاريخ، ومن المفيد كثيراً الاستفادة مما مرت به الشعوب قبلنا.
بالنسبة لي، أرفض مقارنة ما يحدث في سوريا بما حدث في العراق أو في أفغانستان أو في الصومال، لأنها نماذج مختلفة وثمة ظروف مختلفة في كل حالة. ففي العراق مثلاً ثمة احتلال، وتفاصيل معروفة للجميع، وفي أفغانستان شأن آخر أيضاً، أما في سوريا فلنعد إلى البدايات لو سمحتم، في البدء كانت الثورة، نعم هكذا تستقيم الأمور، وهكذا يمكننا تفسير كل ما تلاها من تفاصيل إضافية؛ تدخل إيراني، احتلال روسي، ميلشيات، تكفيريون، سياسيون انتهازيون، كروش ممتلئة، معارضة فاسدة. كل هذا حدث كي يكف الناس عن التلفظ بكلمة الثورة، وأن يقبلوا بشيء آخر، لكنهم لم يقبلوا…
وكل هذا حدث قبل أكثر من مئتي عام في فرنسا مثلاً، فقد عاشت البلاد سنوات من التمزق، وكانت مهددة بالتقسيم بل وحتى التلاشي، لكن في النهاية انتصر أولئك الذين كانوا يسمون الغوغاء على كل شيء، وفرضوا قانوناً غيّر وجه التاريخ، قانون عدالة اجتماعية أصبح نموذجاً عظيماً لكل الشعوب، لهذا صارت تسمى عاصمتهم مدينة النور، لأنها أشعت لاحقاً نوراً على العالم… طبعاً الأمر لم يتحقق بأمنيات ولا بناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه تحقق بنضال مستمر متواصل، وبإصرار لا مثيل له. وهذا ما رأيته أنا شخصياً في عيون أولئك السوريين المتعبين الذين حملوا لافتاتهم وهتفوا بأصواتهم المبحوحة “يا محلاها الحرية”.
ولد جيل كامل لم يعش في الحظيرة، ولن يقبل بأي حال من الأحوال أن يعيش في حظيرة، وأن يستسلم لديكتاتورية بغيضة مثل تلك التي سرقت منا ومن الذين سبقونا، أرواحهم وعقولهم. أي إصرار هذا!!
الهتافات أعادت الأمل للجميع بالحياة. وكما علق أحدهم “ردت لنا الروح”. نعم، هكذا أعادت لنا أرواحنا التائهة الحائرة التي تتابع الأخبار، أولئك السوريون الجميلون لا يتابعون الأخبار، لا تعنيهم المفاوضات. ما يهمهم فقط هو أن يكملوا ثورتهم حتى نهايتها…لأن ما بني على ثورة فهو ثورة…
وكل عام وأنتم ثائرون
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث