الرئيسية / رأي / الويل لأمة

الويل لأمة

ثائر الزعزوع

تابعت كعادتي كلّ عام نهائيات بطولة فرنسا المفتوحة للتنس رولان غاروس
على مدى خمسة عشر يوماً، وكنت مثل كل عام أميل لتشجيع الإسباني رافاييل نادال الذي
يمثل بالنسبة لي بطلاً استثنائياً أضيفه إلى دييغو أرماندو مارادونا الأسطورة
الأرجنتيني الذي سحرنا في طفولتنا، وما زلت أنا شخصياً أعدُّه الرياضي الأهم على
وجه الأرض، لكني لم أضع لا لمارادونا ولا لنادال صورة في غرفتي، ولم أعلن أني يمكن
أن أفديهما بدمي.

وقد انطلقت منذ أيام نهائيات كأس العالم في البرازيل وسيتنافس
اللاعبون بشرف للفوز بالكأس الغالية، وطبعاً مثلما يحدث في كل نهائيات هناك فريق
عربي هو منتخب الجزائر، وسنتعاطف معه في الدور الأول، ثم سنفتقده في الدور الثاني
أو في أحسن الحالات في الدور الثالث، ثم ينصرف كل منا إلى المنتخب الذي يشجعه منذ
طفولته، فنصبح أرجنتينيين وبرازيليين، وألماناً وفرنسيين، وهولنديين وإيطاليين،
دعوني أرجع إلى بطولة فرنسا المفتوحة والتي شارك فيها مئات اللاعبين من مختلف
القارات، ومن مختلف البلدان إلا من بلداننا العربية، وقد توج باللقب لاعبي المفضل رافاييل
نادال الذي فاز في المباراة النهائية على الصربي نوفاك جيكوفيتش ليصنع بذلك
تاريخاً جديداً للعبة، فهو اللاعب الوحيد الذي نال البطولة تسع مرات، وهو وحسب
علمي لم يتلاعب بدستور اللعبة أو بقوانينها، ولم ينتخبه أحد لنيل هذا اللقب بل عمل
بجنون ليلاً نهاراً كي يتمكّن من البقاء على مستواه، وهو يضرب مثلاً للشباب في
كيفية صناعة البطل دون شعارات تافهة، ولا توريث، ولا صناديق انتخابات زائفة، وهو
لا يملك جيشاً، ولا يتحالف مع ميلشيا طائفية قذرة ليقتل الناس، هو لا يسلم اقتصاد
البلد لابن خاله، ولا يأذن لأخيه وزوج أخته كي يصبحا حاكمين مطلقين، ولم يسمعه أحد
يبيع الخطابات المجانية، بل إنه وبتواضع يليق ببطل قال عقب انتهاء المباراة إن
منافسه الصربي يستحق الفوز بالبطولة لأنه لاعب رائع، وتمنّى له محالفة الحظ في
المستقبل فيفعلها، رغم أني شخصياً لا أحب أن يفعلها.

المهم أن
إسبانيا البلد الأوروبي الذي لا يمتلك مصانع سيارات عملاقة مثل ألمانيا ولا جيشاً
مخيفاً مثل الولايات المتحدة استطاع هذا البلد السياحي بامتياز أن يصبح قبلة
العالم الرياضية ليس فقط بسبب فريقي ريال مدريد وبرشلونة، ولا بسبب رفاييل نادال
أو سواه من لاعبي التنس بل بسبب العديد من أبنائه الذين رفعوا علمه عالياً في
المحافل الدولية، فصار الناس يقصدون إسبانيا للكثير من الأسباب ليس فقط بسبب
طرازها المعماري المتميز، ولا لوجود متحف لسلفادور دالي رائد السريالية ولا بيكاسو
المدهش ولا غويا ولا ميغويل أونامونو ولا سيرفانتس، بل بسبب كل هؤلاء مجتمعين، ولم
نسمع أن أحداً ذهب إلى إسبانيا ليتعلم من ملكها خوان كارلوس الصمود والتصدي.

تُعَدُّ إسبانيا بالنسبة لغيرها من الدول الأوروبية
الصناعية بلداً زراعياً متخلفاً، واقتصادها ليس مثل الاقتصاديات الأخرى، لكن هذا
البلد الأوروبي ذا الاقتصاد المتخلف يعلي من شأن مواطنيه، ويرفعهم عالياً، فلا
يمانع ملك البلاد أن يسافر من بلد إلى بلد ليتابع مباراة يخوضها أحد مواطني دولته،
فهو في النهاية مواطن مثله يقدم خدمة كبيرة لبلده، وربما تكون الخدمة التي يقدمها
لاعب مثل نادال لإسبانيا هي أكبر بكثير من الخدمة التي يقدّمها رئيس الوزراء أو
مندوب إسبانيا في الأمم المتحدة.

في بلادنا العربية التي يتجاوز عدد ساكنيها أربعمئة
مليون نسمة تنحدر قيمة الإنسان حتى يصبح حثالة أمام قيمة الحاكم، بل أمام أي مسؤول
أمني مهما كان وزنه أو حجمه، فالمسؤول الأمني هو حامي حمى الصمود والمقاومة
والمبادئ والقائمة الطويلة من الأوامر والنواهي التي تُصنَّع لاستعباد الشعوب
ولزيادة قهرها، ولجعلها خانعة ذليلة، فالرياضة بإشراف الحاكم والمنتخب الوطني
ينبغي أن يحمل صورة الحاكم في حلّه وترحاله.

هل رأيتم لاعباً أو جمهوراً غربياً يحمل صورة حاكم بلده
في أي من ملاعب العالم، هل سمعتم لاعباً أو منتخباً وقف على الملأ ليقول إنه يهدي
فوزه لجلالته أو سموه أو سيادته؟ لا يحدث هذا إلا في منطقتنا، ولن يحدث إلا في
منطقتنا التي ترفع من قيمة الحاكم أياً يكن نوعه حتى يقترب من مرتبة إله، وصحيح أن
الوثنية انتهت منذ قرون إلا أننا حريصون دائماً على إعادة إنتاج أوثان جدد كلما
أتيحت لنا الفرصة، يعتقد بعض الأخوة العراقيين مثلاً أن الرفيق صدام حسين ما زال
حياً وأنه سيعود من غيبته ليقود حرب التحرير ضد أولئك الذين استولوا على السلطة،
وجلبوا المستعمرين، مع أنهم رأوا بأم أعينهم أن الرفيق صدام قد أعدم، وكذا يفعل
بعض الأخوة الليبيين بل إن شائعة سرت مؤخراً في بعض مدن ليبيا تقول إن القذافي حي
وإنه سيلقي كلمة يعلن فيها بدء تحرير البلاد ممن يسمون بثوار الناتو، فعلى أي شيء
تدل هذه المأساة التي نعيشها سوى على أن ثقتنا بأنفسنا كشعوب معدومة، وأن القائد
بالنسبة لنا هو وثن تنبغي عبادته والخضوع له حياً وميتاً، رفعوا شعاراً: الله
سوريا بشار وبس. وهم يرددونه بسبب عبوديتهم، ونحن، أقصد المعارضة، نبحث عن رجل
يقود المرحلة، ويقف نداً لبشارهم، ألأجل هذا قامت الثورة حقاً كي نزيح
“وثناً” ونضع “وثناً” غيره؟ ألأجل تبديل الأوثان ثرنا، أم
ليصبح عندنا إنسان حرٌّ كريم قادر على رفع علم الوطن في رولان غاروس، ومنتخب وطني
يتأهل لكأس العالم، وفنان يجوب البلاد لا لأن النظام صنعه بل لأن الفن كان وسيلته؟
ثرنا ليكون للإنسان معنى، هكذا فهمنا الثورة منذ بدايتها، هل تريدون إقناعي أن
الرئيس الفرنسي هو قائد، أو أن أوباما هو قائد؟ ثم ما معنى القائد أصلاً؟.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *