الرئيسية / رأي / أيها السوري هل تعرف نفسك؟

أيها السوري هل تعرف نفسك؟

ثائر الزعزوع

 

سوريا التي نعرفها صارت وراءنا، صارت فعلاً ماضياً ناقصاً، وصار يمكن أن نقول بسهولة كانت سوريا، كما أنه صار بإمكاننا أن نقول راحت سوريا، ونحن متأكدون أن سوريا التي نعرفها لن تعود أبداً. أقصد تلك السوريا التي كانت موجودة قبل خمس سنوات، انتهت تاريخاً وجغرافية وفيزياء وكيمياء، انتهت بعجرها وبجرها… علينا أن نواجه هذه الحقيقة المرة كي نستطيع تقبل واقعنا أولاً، ومن ثم، وهذا هو المهم، أن نفكر فيما سنفعله لاحقاً. علينا أن نتقبل أننا خسرنا الكثير من التفاصيل، وعلينا أيضاً أن نتقبل نهاية أحلامنا ومشاريعنا الصغيرة، وربما الكبيرة أيضاً. كما كان علينا أن نتقبل أننا فقدنا بيوتنا وشوارعنا وذكرياتنا، وفقدنا أصدقاءنا وأقاربنا. كما تقبلنا أيضاً ذلك الشرخ العمودي والأفقي الذي ضرب مجتمعنا، وذلك الفرز الطائفي والعقائدي والقومي الذي تعرضنا له، ربما بإرادتنا أو كنا مكرهين عليه في الكثير من الأحيان. علينا أن نتقبل كل هذا، وأن نتقبل أيضاً أن نكون نحن أنفسنا كائنات جديدة مختلفة عن تلك التي كانت موجودة من قبل.

 

وكيف يمكن أن نكون كائنات جديدة؟

 

ببساطة كل ما حدث في الخارج حدث في الداخل، أي ما عايشناه منذ منتصف آذار عام 2011 وحتى اليوم، وإلى الأيام القادمة، جعلنا نتغير، نتبدل، نصبح أشخاصاً آخرين مختلفين. لا يمكننا أن نراجع ما كناه قبل خمس سنوات، أو أن نستعيد شخصياتنا القديمة. ليس للأمر علاقة بتقدمنا بالعمر فقط، بل أيضاً بتقدمنا بالخيبة، وتقدمنا في الانكسار، وتقدمنا في اليأس. نعم، تقدمنا رغم الخيبة واليأس والانكسار، واصلنا أحلامنا وإن شعرنا بالضعف، وواصلنا بإصرار فكرة أن سوريا ستنهض من جديد. ظل الكثيرون متمسكين بالتراب، يلوذون بالصمت ويختبئون، هرباً من القتلة والتكفيريين، وحمل الآخرون التراب معهم حيثما ارتحلوا، يلوذون بالغضب، صار الغضب ملاذاً للكثيرين منا، ولم نعد قادرين على الاستقرار في أي نقطة في العالم. ستظل سوريا حاضرة في دواخلنا، نتهشم مع كل صاروخ أو برميل، وتزهق أرواحنا مع كل روح تزهق. ولهذا فإن دواخلنا تعايش هذا التحول الاستثنائي في الشخصية السورية. قد يحتاج هذا الكلام إلى أبحاث مختصة، وإلى دراسات نفسية، لكن هل يستطيع أي واحد منا التعرف على نفسه الآن؟ هل يستطيع أحدنا مخاطبة نفسه كما كان يخاطبها سابقاً؟ بكل تأكيد لا، فأنت لست أنت، وأنا لست أنا. وإذا كان أحد الفلاسفة قد كتب مرة: ابحث عنك فيك، فإن هذا الكلام لا يصح أبداً في حالتنا، إذ لم يعد كافياً أن تبحث عنك فيك، بل أن تبحث عنك في تفاصيل أخرى كثيرة، قد تكون ضيعت الكثير منها وأنت تواري أخاك الثرى، أو وأنت تودع أحبابك تحت الأنقاض، وربما وأنت تتابع الأخبار، وتعد العدة لركوب البحر…

 

كتب أحدهم على تويتر منذ أيام: “بين كل خمسة سوريين، هناك ستة فقدوا اتزانهم”. وبمقدار ما يبدو هذا الكلام ساخراً، بمقدار ما يبدو واقعياً وبقسوة لا تحتمل. فالسوري اليوم منذور للانتظار، انتظار شيء مجهول، لا يعرف ملامحه، يمسك بتلابيب الأمل في أن تتخلص سوريا من هذه الكارثة التي تطبق على صدرها، والتي بددتها وحولتها خراباً. لكن ذلك الأمل لا يلبث أن يتبخر مع أول نشرة أخبار يتابعها، فالكارثة تزداد سوءاً، والبدد يصير أشد قتامة، فإلى متى؟ قد لا يمر يوم كي لا أقول ساعة لا يسأل السوري نفسه فيها هذا السؤال مرات ومرات. يسأل ليتأكد من أنه ما زال قادراً على طرح هذا السؤال، فالحكاية لم تنته بعد، المأساة لم تصل إلى فصل الختام حتى اليوم. وما دمت تسأل هذا السؤال، فهذا يعني أنك تنتظر الجواب، وهذا يعني أيضاً أنك ستظل خاضعاً لتلك الحالة من التغير.

 

“أراني في المرآة فلا أعرفني”، كتب واحد آخر.

 

وكتب لي صديق في رسالة مؤثرة: “قد نعود إلى سوريا ذات يوم، لكن هل سنجدنا هناك؟”.

 

قد يبدو كل هذا الكلام أقرب إلى اليأس، لكنه في الحقيقة ليس يأساً بمقدار ما ينحى منحى تساؤلياً عمن يكون الواحد منا في ظل هذه التحولات المخيفة التي تعرضنا لها.

كنا راكدين، مستسلمين ندور في فلك واحد، ودعوني أقل، ونستعد تلقائياً لتقبل أن تبقى سوريا “وإلى الأبد” مزرعة لآل الأسد. لكن كل شيء تغير الآن، تغير كثيراً؛ سوريا الأسد ماتت إلى الأبد، سكانها أيضاً لم يعودوا هم أنفسهم، كل شيء انتهى، ولا بد أن نولد من جديد… سأقول ختاماً، كي نولد من جديد، علينا أن نموت أولاً… هل كانت ولادتنا الجديدة تستحق كل هذه الدماء؟

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *