خضر الآغا
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945، اجتمعت الدول المنتصرة وقررت الهيمنة على العالم إرغامياً وبالقوة، فصنعت منظمة على شكل دولة فوق الدول، ووضعت قوانين وتشريعات يمكن تطبيقها وقت الحاجة بالقوة العسكرية عبر التكاتف الأممي والمشاركة العالمية. والمقصود بالتكاتف الأممي والعالمي هو تكاتف الدول الخمسة المنتصرة، وهي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وإرغام باقي العالم على المشاركة!
كذلك فإن الحاجة للقوة العسكرية مرهونة بتوافق مصالح جميع هذه الدول وتقاطعها. وقد رسمت هذ الدول العالم على هوى مصالحها ورؤيتها لما يجب أن يكون. بصيغة أخرى: أن يكون عالماً خاضعاً لهيمنتها. فوضعت أنظمة سياسية في البلدان، ورسمت سياستها الداخلية والخارجية، وشرّعت عقوبات عديدة للأنظمة التي تخرج عن هذه السياسة. ونحن نعرف ونتذكر ونقرأ باستمرار قيام هذه الدول بإزاحة نظام سياسي في دولة معينة خرج عن سياساتها، وإحلال نظام آخر محله يستطيع تنفيذها كما ينبغي. وباعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأقوى، فقد تعهدت بقيادة هذا العالم ورسمه كما تشاء. وقد حافظت على سياستها هذه وقوانينها على الرغم من المتغيرات الكثيرة، فقد بقيت روسيا في مجلس الأمن على الرغم من انهيارها وتفككها الاقتصادي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، كما بقيت ألمانيا خارج مجلس الأمن على الرغم من تفوقها الاقتصادي وانخراطها مع (المجتمع الدولي) في سياساته الإرغامية، وما زالت تعتبر وفق القانون الدولي الذي هو قانون المنتصرين دولة مهزومة، فتغيير أنظمة وقوانين هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ينطوي على تغييرات بنيوية أخرى في سياساته، الأمر الذي لا تريده، لأن من شأن ذلك أن يغير طبيعة العلاقات الدولية وطبيعة رسمها للعالم، فإن أي تغيير في العالم يعني حدوث خلل في صورته كما رسمته هذه الدول المنتصرة.
وللحفاظ على ماء وجه تلك الدول، كان أن شرعت ما سمي “حق الفيتو” الذي يبيح لدولة أو أكثر استخدامه لتعطيل قرار من هذه الدول. وقد بدا عبر التاريخ أن هذا الحق إنما هو في العمق ليس لتعطيل قرار الأمم، بل لتطبيقه وترسيخه، فبدا مثل الباب الخلفي لها، أو مخرج الطوارئ، فهي تتذرع بوجوده عندما تريد الحفاظ على واقع ما كما هو. نتذكر أن الولايات المتحدة استخدمته مراراً لمنع إدانة إسرائيل في انتهاكاتها حقوق الفلسطينيين، وقد بدا ذلك مريحاً للدول الأخرى، فقد شكل ذريعة قانونية لعدم قيامها باتخاذ إي إجراء آخر…
الحال يشبه حقوق الفيتو الكثيرة التي استخدمتها روسا لمنع اتخاذ قرار ضد النظام السوري منذ اندلاع الثورة -آذار 2011- وقد بدا ذلك حجة قانونية كبيرة أمام الدول الأخرى لعدم قيامها بأي إجراء ضد النظام.. مع العلم أننا نتذكر أن إجماع مجلس الأمن على قرار واحد أو عدم إجماعه سيان بالنسبة لهذه الدول ذاتها.. فقد تدخلت أمريكا في العراق على الرغم من عدم وجود إجماع دولي، وبعد ذلك حدث الإجماع الدولي إرغامياً، بما فيه روسيا التي كانت تعاند ذلك!
أمام هذا ندرك هذا (التكالب) الدولي في منع الثورات العربية من الانتصار وتحقيق غاياتها المتعارضة، جذرياً، مع سياسات الدول القوية، والتي تهدف إلى إرساء نظام ديمقراطي تعددي يهدد باستمرار السياسات الإرغامية العالمية التي تفرضها على الشعوب عبر تلك الأنظمة السياسية التي ما انفكت تنفذ هذ السياسات بالقوة الأمنية والأحكام العرفية وتعميم الفساد…
وعلى اعتبار أن الثورة السورية هي الأكثر إصراراً على الانتصار، الأمر الذي يعني جدية تهديد النظام العالمي، فإن المجتمع الدولي لم يتوقف عن إيجاد الوسيلة تلو الأخرى للقضاء عليها، آخرها، حتى الآن، شرعنة الاحتلال الروسي، وتكفله بالقضاء على هذه الثورة، حتى لو كلف ذلك جميع السوريين!
الثورة هي تغيير صورة العالم كما رسمته تلك الدول، وهذا ما لم تسمح به تلك الدول. لكن السؤال: هل تستطيع، بشكل نهائي، الوقوف بوجه شعب قرر، بشكل نهائي، تغيير واقعه؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث