الرئيسية / Uncategorized / بناء المدن هو الاستراتيجية الصحيحة لا الوطن المدينة هي الشيء الواقعي الوحيد الذي نملكه وجرى اغتياله

بناء المدن هو الاستراتيجية الصحيحة لا الوطن المدينة هي الشيء الواقعي الوحيد الذي نملكه وجرى اغتياله

غريب ميرزا
هذا العصر يسمّى عصر المدن، بات الآن مصطلح مدن المعرفة شائعاً، حيث تشكل المعرفة في هذه المدن، البنية التحتية لها. فكما كان الاقتصاد ولاسيما اقتصاد السوق الحر، هو فاتح المدن العصرية ذات البنية المدنية، على يد آدم سميث وغيره، وكما كان سابقاً النهر هو الأساس لبناء هذه المدينة أو تلك، أصبح الآن البناء المعرفي هو المتكفل بهذه المهمة.
يكاد يبدو لنا في التاريخ أن السلطة تقلصت من الامبراطوريات ثم إلى الدول القومية، وها هي الآن تتقلص إلى فيدراليات ثم إلى مدن. الزمن القادم يعدُّ بكرة أرضية غير مقسّمة إلى دول ذات سيادة، وإنما إلى بقع كبيرة جداً من المدن. 
المدينة هي نقطة التقاطع
ارتبط كثيراً مفهوم المدينة الحديثة، بتطوُّر مفهوم الفرد، والذي بدوره ارتبط باقتصاد السوق الحر. لكن مفهوم السوق يمنح المدينة تبريرها على الصعيد الآني ـ نسبياً ـ وعلى الصعيد الإجرائي، كيف تتشكل، ما هي مقومات الحياة فيها؟ لماذا يتمسك بها أبناؤها؟ لماذا يأتي إليها الآخرون؟ وغير ذلك..
ولكن ما يشكّل المدينة ليس ذلك فقط، على الصعيد الوجداني هناك الارتباط بالهوية التي تشكلها المدينة، وارتباط بتاريخ هذه المدينة. هناك البيئة النفسية التي تؤمّن الدّعم للفرد، وبالتالي تشكل مادة للطموح لديه. 
من الواضح أيضاً أن المدينة تجتاحها رغبة، بأن تكون الفائدة لنفسها لا لشيء آخر. حتى الوافد الجديد إلى المدينة سينخرط ضمن هذه الرغبة، لأنّها تدخل في مصلحته ذاتها، ولأنها الشرط المسبق اللاواعي كي يستطيع العمل. 
ولهذا، فالمدينة هي أكثر كيان يخضع للمعيار:”الكفاءة” لأنها في حالة منافسة دائمة مع المدن الأخرى، ولأن كلَّ فردٍ فيها سيستفيد عندما تكبر هذه المدينة، أو تتعاظم قوتها الاقتصادية. فمثلاً الشخص الذي يملك منزلاً في وسط المدينة سيستفيد تلقائياً من تحسين المدينة لأن ذلك سيرفع له من ثمن ممتلكاته. 
الفرد الذي لن يجد مكانه في هذه المدينة سيذهب إلى أخرى، وهكذا ستخسر المدينة شخصاً ذا كفاءة. 
ما يمنح المدينة قوتها، هو أن السلطة خارجة عنها، لتتمركز في الدولة. وهكذا تبدو الدولة عصارة جميع المدن التي تشكّلها.
أخيراً تصبح المدينة أقوى كلما كانت نقطة تقاطع أكبر عدد ممكن من الخطوط. ولكي تحقق هذا الغرض ليس من الضروري أن تكون نقطة نقع في وسط جغرافي، بل نقطة جذب عن طريق العديد من المشاريع التي تقوم بها. وكي تتحقق نقطة الجذب هذه،  فإن المدينة الناجحة هي المدينة التي تعمد إلى خلق الفرص باستمرار، وعندما توجد في بيئة تنافسية، فإنها ستكون مهددة باستمرار أن يرحل الأشخاص أصحاب الكفاءة عنها، إلى مدن أخرى، ويبقى فيها فقط الأشخاص الذين لا يجدون قدرة كافية على مزاولة الأعمال بكفاءة عالية، مما يجعلها تنحو باتجاه الانقراض.
وهكذا تمارس كل مدينة قوة الشد باتجاهها، وتصبح الخارطة أقرب ما يكون إلى قطعة قماش مطرزة على شكل شبكة من المربعات المشدودة. 
هل يمكن للمدينة أن تنتقي أفرادها على أساس ما؟
قد تشكّل المدينة غالبية دينية أو عرقية أو غير ذلك… لكن المدينة التي ستحيط نفسها بسور انتقائي، ستجدُ نفسها قد فرغت من الكفاءات تدريجياً، ولم يبقَ لديها إلا الأشخاص الضعفاء. وهذا بدهي كما قلنا سابقاً، لأنها بمجرد أن تعتمد على المنع أو الفلترة لعناصرها، فهذا يعني أنها تمتلك مشكلة في دعم هويتها ذاتياً، لذا تعتمد على الإقصاء أو المنع. وهذا مع الزمن سيكون كفيلاً بتهجير من يجد في نفسه الرغبة في الإبداع.
وتاريخياً كانت المدن تزداد قوةً، كلما كانت عقدة تجارية أقوى، والتجارة كان يلزمها مترجمون ورحلات متبادلة وغير ذلك، وهذا سيمنع أي اتجاه نحو التعصب الذاتي الإقصائي في المدينة.
من الممكن أن تكون الدولة الاستبدادية قد أخذت سياسةً تعصبيةً، ولكن في هذه الدولة، الاقتصادُ مركزي، والحكمُ مركزي، والثقافة غير مسموح بها إلا أن تكون مركزية أيضاً مصبوغة بصبغة الحكم. لذا في هذه الدولة الاستبدادية لن يكون هناك مدنٌ بالمعنى الذي تكلمنا عنه. وعندما لا توجد شبكة من المدن، لا يمكننا أن نتكلم عن مدينة نهائياً. كي تتشكّل مدينة يجب أن تكون محاطة بالمدن الأخرى.
العمارة الهشّة
تشكّل العمارة الشكل الأساسي للمدينة بامتياز. لا يمكننا أن نجد مدينة ـ بالمعنى الذي تكلمنا عليه ـ لا تشكل عمارتها جزءاً أساسياً من طاقتها الاقتصادية والإبداعية، لأنها ستساهم في تشكيل الجزء الأساسي من هوية المدينة المرتبط بإحساس الرفاه، وإحساس القوة، والشعور بالهوية عن طريق نمطٍ معماريٍّ مميّز، وهو بالإضافة لذلك سيشكل قاعدة للأفراد العديدين الذين ستجذبهم المدينة.
عندما نجد تجمعاً بشرياً بعمارة سيئة، توحي بالمؤقت والفقر، وبالعشوائية وبالمناطقية أو الطائفية، من الممكن فوراً أن نتوقع أنها بكل تأكيد ليست نتيجة للفقر، ولكنها نتيجة لعدم الرغبة بالانتماء لهذه المدينة.
العشوائيات التي اشتهرت بها دمشق كثيراً، ليست نتيجة اكتظاظ السكان، النازحون الذين جاؤوا من أماكن عديدة سابقاً بنوا أحياءً في المدن العريقة، مثل حي الأرمن في حلب، لكن أن يتم بناء عشوائيات فهذا يدل على أن الذي بناها لا يريد لمن يسكن فيها أن يستقر، ولا أن ينتمي إلى هذه المدينة.
 العشوائيات لا أحد يدافع عنها، لأنها ليست فقط مكاناً قبيحاً أو غير منتمى إليه، بل كذلك هي مكان لا قيمة رمزية له إلا المؤقت. حسناً المؤقت، من يسكن في المؤقت؟ وبدقّة أكبر المؤقت الذي استقر كبناء هش، فحتى الرحالة عندما ينصب خيمة يجملها، ويعتني بها في الغابة حيث ينام.
من يسكن في المؤقت هو فقط من يستطيع أن يستغني عن حياته، أو يجعل الوقت يمرُّ، أصلاً الوقت بالنسبة له هو مرور فقط. لا شيء يبدو أنه قادر على جعله يتمسك بالحياة، الحياة بالنسبة له هي أيضاً شيء يجب أن ينتهي، أو في أحسن الأحوال هو يعيش كي يدفع الموت عنه قدر الإمكان.
لذا ليس من الغريب أن تكون العشوائيات تشهد أكبر نسبة من الجرائم، لأنها تغرز في لاوعي ساكنيها، فكرة المؤقت هذه.
المرء الذي ينتمي إلى مدينة أو الذي بنى حياً جميلاً في مدينة ما، سيدافع عنها لأنها ليست فقط، مصدر حياته، بل لأنها أيضاً مليئة بالمعاني الرمزية التي تشكّل هويّة هذا الفرد، وتساهم في الهوية الإنسانية بشكل عام.
مثلاً: لن يحزنَ أحدٌ على تدمير العشوائيات في القصف، طبعاً بغضِّ النظر عن الضحايا لنتخيلها فارغة، مثلما يثير قصف قلعة أثرية أو مدينة جميلة أو سوقاً شهيراً الغضب العالمي كله.
المدينة هويتها مستقرة واقعية و الوطن هويته حلمية 
تملك المدينة شبكةً حقيقيةً تُعاش الآن، وتُلمس في كلِّ لحظة، لا يمكن لأحد أن يجادل عليها. بلغة الفلسفة وجودها متضمن في ماهيتها، لا تحتوي في كينونتها على عناصر إشكالية أو ضبابية. هي مسلمة تستخدم للتعريف، لا شيء يجب البحث عن تعريفه وبالتالي اصطلاحه.
مقولة الوطن لم تملك في منطقتنا بعدها الحقيقي، فلا هو يمتلك بعده التاريخي الكافي، فالاستقلال الذي جاء حديثاً نسبياً، بعد انقطاع كبير عن الحداثة، سقط فجأة في مفاهيم حداثية غربية: الوطن وغيرها. دون أن يمتلك، أو تسنح له الفرصة في أن يمتلك حتى حدوداً تسمح له بتشكيل هوية رمزية. الحدود السورية مثلاً هي حديثة، وأيضاً يتهم الاستعمار المرتبط بالسلب، بأنه هو من شكلها. إذن الدولة بهذه الحدود كيف ستتشكل؟ بماذا ستقوم على نتيجة استلاب؟ على شكل مسخ لا امتداد تاريخي له؟
أمّا الأحزاب السياسية التي تشكلت، فمعظم إذا لم يكن كل دعواتها وتأسيساتها لهويّة، إنما كانت تستقرُّ في منطقة غير واقعية، في منطقة حلمية، لم تتحققْ بعد، أو كانت في الزمن البعيد.
مثلاً: الحزب القومي السوري، حدود هويته لم تكن يوماً ما، أو كانت في الماضي السحيق، وهو يكتسب شرعيته من الحلم، كذلك وضع الأحزاب الإسلامية كلها، وحزب البعث القومي الذي استقر أيضاً على مقولة ميتافيزيائية مثل غيره: الوحدة العربية، وهي أيضاً مقولة حلمية. وكذلك الأحزاب الشيوعية انتمت إلى مقولة حلمية أخرى تذهب إلى حدود العالمية. 
إذاً: جميع التيّارات السياسية لم تقم على أيِّ شيء واقعي، ربما لأنه  كان غير متاح وقتها، ولا واقعيتها هذه تعني تماماً أنها حوّلت المدن إلى عناصر في خدمتها وخدمة هويتها، بدلاً من أن تحاول اكتساب هويتها من هذه المدن. 
وبدلاً من أن تقيمَ قواعدَها وأحلامَها على الواقع الموجود أي المدينة، أقامت كلَّ شيء على واقع غير موجود. أي على ما يمكن أن ندعوه الشيء الذي لا تتضمن ماهيته وجوده بلغة الفلسفة. 
إذاً: كان الاستبداد هو الشرط الضروري لها، في بيئة سورية متعددة بشدة دينياً وقومياً. 
التعددية المدنيّة الملغاة
غياب التفاعل بين هذه التعدديّات استمر بقرار سياسي، ولم يكن كافياً حتى يمنع أو يسخف التيارات السياسية التي بدأت بالتشكل حينها. 
وحتى تفرض الدولة السورية نفسها، كان عليها إلغاء عدوتها الاولى وهي المدينة، فحوّلتها من مدينة إلى مكان محاط بالعشوائيات، مستلب اقتصادياً، وثقافياً برده إلى أحلام ـ إسلامية وقومية … ـ مكان عبارة عن خزان للعسكر عن طريق تقديس العداوة مع إسرائيل، وتقديس الجندي المجهول، والرئيس العسكري دائماً، والعشوائيات التي هي لا تناسب إلا الجيش في الجبهة.
والمقولة القومية التي اختزلت أية إمكانية لقيام شبكة من المدن المتميزة، إلى عرب، مجرّد تجانُس من العرب. وهكذا أصبحت سوريا كلها مدينة عربية واحدة، ولكن تنوعها الكامن لم يسمح لحافظ الأسد إلا أن يحولها إلى ثكنة عربية واحدة.
ثقافة الثكنة هذه، مرة جديدة تظهر كانقلاب أو عدة انقلابات للسيطرة على الخيمة الرئيسية فيها، على يد الإسلاميين خصوصاً. 
ولكنها تظهر أيضاً على يد الذين يقولون بمقولة الوطن كمقولة معيارية، حسناً ما رأيكم أن نختلف على هذه المقولة المعيارية ؟
الوطن كذبة جديدة
لا نريد مقولة معيارية استخدمت دائماً لقياس أشياء عديدة، كمن يستخدم الوزنة 1 كيلو لقياس الخضار وقياس دائرة على الورق. من الطبيعي أن يخرج الكثير من المعارضين والمؤيدين والخائفين، ليعتبروا أن ما يقوله فلان عن “الوطن” كذبة وخدعة. طبعاً هذا حقهم لأنهم جربوا هذه الخدعة لسنوات، ويرونها أمامهم في إيران والسعودية وغيرها.
لا نريد مقولة معيارية قابلة لقياس كل شيء، نريد مقولة معيارية إجرائية، بمجرد أن توجد تبدأ بالقياس. 
لا يمكن لأحد أن يجادل بها، لا تقوم على جزء من الذين يمتلكون القرار أو السلطة. الكذب يرتبط دائماً بشخص لا يمكن أن يقوم بكل شيء أمام الجميع، حسناً تشكيل الوطن لا يمكن أن يقوم به أحد امام أنظار الجميع، لذا مقولة الوطن مقولة تحتمل الكذب. 
لكننا نملك مقولة معيارية إجرائية مباشرة، تتوزع قدرة تشكيلها على الناس فوراً حيث هم الآن في الواقع الحي المعاش. 
لا يملك القدرة على تشكيلها أحد، بالضرورة لا تتشكل إلا بأيدي الجميع حقيقة لا مجرد شعار.
الوطن متى سيكون؟ متى تنتهي الحرب؟ بأي حدود؟ إنه مقولة حلمية أيضاً…
المدينة هي وحدها الآن المقولة المعيارية الإجرائية، يجب أن تكون استراتيجية وشعار كل شخص سياسي، هي بناء المدن. 
المدن لا الوطن هي الحقيقة الآن. المدن هي التي تشكل الوطن لا العكس.
المدن المرشّحة
مقولة الوطن هي ما يدفع النظام السوري إلى إجراء انتخابات، كي يكرس هذه المقولة بلعبتها المسرحية. داعش تقوم بالوظيفة ذاتها، هي العدو الذي سيمنح أي تشكيل سياسي أم اجتماعي قادم، شرعية القتال المستمر، وبالتالي شرعية “العشوائيات”
النظام لن يرضى بتشكيل أية مدينة (مقالة دم الأقليات يلوح في الأفق عدد …) لأنها تهدده. داعش ستتكفل بالأمر من جهة، والخداع الذي سيمارس على الأقلية السنية سيتكفل بإحساسها بالرغبة في امتلاك الحكم لأن هذا حقها، وهو فرصة رائعة، طبعاً لمن يريد أن يصبح زعيماً، وتستمر الحرب بين الطرفين أو الأطراف.
تبقى الأقليات هي المرشّحة لبناء المدينة، لأنها لن تمني نفسها بالحكم بسبب كونها أقلية، فلا يوجد أمامها إلا بناء مدينتها، بشكل قوي اقتصادياً ومعرفياً كي تصبح جاذبة للكثير من التيارات المحلية والعالمية، وبالتالي تؤمن الحماية لنفسها.
هذا سببٌ إضافيٌّ يجعلنا نعتقد أن النظام بطرفيه (الأسد وداعش) لن يسمح للأقليات المتجمعة في مدن أن تكون خارجَ سيطرته، كي يبقيها في حالة انتماء مافيوي له، لا انتماء عقد مصلحة مشترك يقوم على الحماية.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *