الرئيسية / منوعات / منوع / ولادة في الزنزانة

ولادة في الزنزانة

سامر القطريب

فكت الثورة السورية
الختم الأحمر عن أوراق الدفاتر والمذكرات الصغيرة ، قصص كثيرة غفت في أعماق الذاكرة
خوفاً من عنف السلطة، حب من وراء القضبان، وداع وموت غامضٌ، وعلاقات سريعة في الفترة
الفاصلة بين مطاردة أمنية وأخرى، وأسئلة عن الحقيقة واحتمالات حدوث ثورة. منذ بداية
سبعينيات القرن الماضي وحتى التسعينيات، بدأت حملات التصفية والاعتقال ضد الأحزاب التي
وقفت في وجه ديكتاتورية الأب، في ذلك الوقت كانت وسائل الاتصال بسيطة وطرق التنظيم
واللقاءات تعتمد الرموز والعلاقات “الخيطية”.

بعد أكثر من عشرين عاماً يصبح تجاوز الخطوط الحمر
ورفع الحجب عن الذاكرة أمراً تفرضه أحداث الحياة وتطورات الثورة؛ فأية حكاية قديمة
باتت جزءاً يكمل الأحداث التي تجري الآن في معتقلات النظام.

أم مازن لها قصة مع الاعتقال في سجونه، حيث تروي
حكاية عن انتهاك الحقوق في مرحلة كان عنوانها الصمت المطلق والتغطية على جرائم ترتكب
في الخفاء.

في الساعة الثانية بعد
منتصف الليل سنة ١٩٩٠ داهم رجال الأمن منزل أم مازن، وقادوها إلى المعتقل، هناك حاول
الضابط عقد صفقة معها لقاء حريتها، والمطلوب تسليم فتاة معارضة للنظام. كانت أم مازن
على موعد مع الفتاة في زمان ومكان، حُدّدا مسبقاً ذهبت أم مازن مرغمةً تحت مراقبة عناصر
الأمن إلى “الموعد” وقت قصير بقي قبل اللقاء فكرت خلاله أم مازن بحضنها الفارغ
من أطفالها، كما تخيلت مصير الفتاة التي ستُعتقل. قررت أم مازن حماية الفتاة وعدم فضح
أمرها، بعد دقائق جاءت من بعيد صبية جميلة صغيرة في العمر، ولم تكن تعرف إحداهن الأخرى!،
امتنعت أم مازن عن إعطاء الإشارة المتفق عليها، ورفضت تسليم الفتاة، والحجة تخلفها
عن الموعد.

تسعة أشهر مضت على اعتقال أم مازن، وفي أحد الأيام
دخلت فتاة “حامل” إلى زنزانتها، كانت هي “موعد” أم مازن! كان ذلك
اللقاء الأول بين الرفيقتين. أنجبت الفتاة داخل المعتقل بعد أن رفض السجان نقلها إلى
مشفى الولادة، كانت أم مازن الأم الوحيدة بين رفيقاتها، تحت ضغط أجواء التعذيب النفسي
والجسدي وأصوات الصراخ، اعتنت أم مازن بالطفلة الصغيرة عاماً كاملاً إلى أن خرجت مع
أمها إلى “الحرية”. أطلق سراح أم مازن بعد عام من المعتقل، وبقيت على تواصل
مع والدة الطفلة “دانيا”، الطفلة التي خرجت إلى الحياة دون أن تدرك حينها
أنها اعتقلت مع أمها قبل أن تولد.

ورثت دانيا نزعة قوية
للحرية، ظهرت من خلال تحطيمها الألعاب، وكأنها تكسر جدران زنزانة رافقتها طوال سنتين
من طفولتها.

قامت الثورة، وتفتّح ياسمين دمشق، معظم من عارض نظام
الأب أيام الثمانينيات، انتفض بوجه عنف الابن ونظامه، كذلك أم مازن و”ابنها المعتقل
حتى اللحظة”، والطفلة التي تربت على صدرها. في عيد الأم تلقت أم مازن رسالة على
موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، دانيا الطفلة الصغيرة كبرت وهي الآن تثور
كما فعلت أمها قبل عشرين عاماً، ورث الابن عن أبيه العنف وشهوة الدم، بينما فشلت جدران
السجن في تحويل جينات الحرية في قلب طفلة إلى رعب، وتحطمت جدرانه، كأنها لعبة بين يديها
الصغيرتين.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *