ثائر الزعزوع
بضع أغنيات، واسكتشات، مجموعة من الفواصل، أفلام كرتونية
صُنِعَتْ بطريقة بدائية، هذا ما يمكن إحصاؤه بعد ثلاث سنوات من الثورة التي غيّرت
كلَّ شيء فينا، وفي الآخرين.
دعونا نبدأ
الحكاية من أولها، حين أطلق سميح شقير أغنيته الرائعة “يا حيف” انتشينا
حقاً بفنٍّ ثوري حقيقي قريب من الناس لدرجة الالتصاق، أعقبه بعد ذلك بقليل مالك
جندلي بمقطوعته المتميزة القاشوش، ثم ظهرت بعض الأغنيات التي أطلقها ناشطون، وعلقت
في الذاكرة مطولاً أغنية عبد الباسط الساروت “جنة جنة” المأخوذة أصلاً
من أغنية للفنان العراقي سعدون جابر، لكن من يلوم الساروت، وقد أبدع، في حين تهاوى
الآخرون، يحاولون صناعة أغنية واحدة تناسب هذا الطوفان البشري وهو يتحرك محاولاً
صناعة تاريخ جديد. بعد ذلك بدأت تظهر أسماء تقدم أغنيات ومواويل ثورية، المعصراني،
خاطر ضوا، وآخرين، وكلُّ واحد من هؤلاء نال وبجدارة لقب فنان الثورة، وللتذكير فقط،
فنحن لا نعلم من الذي أنعم عليهم بهذا
اللقب؟ لكن الثورة نفسها لم تستفد من هؤلاء بقدر ما استفادت من أهازيجها التي
أنشدها المتظاهرون في الشوارع، فقد انتقلت تلك الأهازيج بطريقة مدهشة، واستطاعت أن
تؤثر على منظومة النظام نفسها، فحاول تقليدها، فتحولت أهزوجة القاشوش الشهيرة،
يالله ارحل يا بشار، إلى أهزوجة يرددها أتباع الأسد بنفس الوزن والإيقاع، ولكنهم
استبدلوا الكلمات فصارت نحنا جنودو لبشار، ولاحقاً صارت نحن شبيحة بشار، بل إن
أهزوجة أبو حافظ يلعن روحك، حولها الشبيحة إلى شعار لهم وصار يهتفون، أبو حافظ
نحنا جنودك، وربما شاهد الكثيرون منا الفيديو الذي أُلتقط والذي يصوّر مجموعة من
أتباع النظام وهم يهتفون ذلك الهتاف، ثم تخطئ إحداهم، وتقول: يلعن روحك.
لعل الغريب، والذي يمكن ملاحظته، هو أن الجزء الأكبر من
أهازيج الثورة وأناشيدها الحماسية أُطلِقَ في عامها الأول، بل وفي أشهرها الأولى،
إبان مرحلة المظاهرات التي كانت تجوب الشوارع، والساحات العامة، فانتقلت تلك
الأهازيج من مدينة إلى مدينة بسرعة البرق، ورددها الشارع الثائر، واحتفظ بها
الكثيرون على أجهزتهم المحمولة، وقد تعرّض بعض الشباب للاعتقال بسبب مقطع صغير وجد
عنده أثناء التفتيش على أحد الحواجز، لكن عند تلك المرحلة الغنية بكل شيء توقف كل
شيء تقريباً، وتحولت الثورة إلى سوق تُسوّق أي بضاعة فيها، يكفي أن يضع الفنان
عبارة الثورة لينتقل بعدها إلى حالة جديدة من حالات التعاطي من الناس، طبعاً مؤيدو
الثورة تحديداً، ثم المتعاطفون معها من بعض الدول العربية. وقد تسللت في أناشيد
الثورة بعض الأغنيات التي تذكرنا بأغنيات تنظيم القاعدة، بل إن تركيب كلام مناسب
لألحان أناشيد تنظيم القاعدة بدا سهلاً جداً من البحث عن ملحن وتفاصيل أخرى،
فتوقفت أغنية الثورة هناك عند اللاجديد الذي أنتجته تماماً، فانصرف عنها المتحمسون
لها، وبدأت تخبو شيئاً فشيئاً تلك الحالة التي ميزت الثورة السورية، والتي جعلت
قناة الجزيرة مثلاً تنتج فيلماً وثائقياً عنوانه “أنشودة الثورة”.
خلال الفترة الحالية ظهر إلى الوجود عملان، وربما أكثر
لكن ما سُوُّق له كثير هو عمل درامي للكاتب فؤاد حميرة عنوانه رئيس ونساء، هو
عبارة عن تجربة جديدة في الإنتاج الثوري، هكذا كتب عنه من قبل صانعيه، والمسلسل
الذي أخرجه المؤلف نفسه، وقامت ببطولته الفنانة مي سكاف جاء مخيّباً للآمال بطريقة
غريبة، فلا هو حافظ على أضعف إيمان صناعة الدراما، ولا هو قدم جديداً للثورة،
فالسخرية إن لم تكن مدروسة ووفق قواعد يمكن أن تتحوّل إلى تهريج، وضحك على اللحى،
ولعل هذا ما وقع فيه رئيس ونساء، وأما العمل الثاني فهو أغنية قام بتأليفها
وتلحينها وغنائها الفنان عامر سبيعي، عنوان الأغنية “ديروا ع القبلة”
ولعل أي لن أقول ناقد فني بل مستمع عادي سيلاحظ أن الأغنية ضعيفة من حيث المبنى
والمعنى، وهي لا تستطيع أن تقدم للثورة أيَّ شيء، سوى أن يوضع لها لصاقة صغيرة
تصنفها من ضمن “الفن” الذي يُصنَع
للثورة، تماماً كما الكثير من المؤسسات والجمعيات والمنتديات التي يمكننا أن نضع
لها تلك اللصاقة ونكتفي بمراقبتها وهي تعبث بالثورة،
والحقيقة، إن كان ثمة حقيقة ينبغي أن تقال إن الثورة السورية، ومنذ أن فقدت
أغنيتها، فقدت بوصلتها، فليست لعنة الطاغية القاتل، مكسباً ثورياً، فقد مرَّ هذا
الأمر منذ زمن بعيد، كما أن كشف حقيقة أنه قاتل تشبه تماماً من يأتي اليوم ليقول
إنه اكتشف العجلة، الثورة تستحق فناً أكبر وأبعد أثراً ممّا يقدم تحت محرابها،
قديماً كان يقال كم من الجرائم ترتكب باسم الحرية؟!
والآن يمكننا أن
نقول وبكل بساطة: كم من المصائب ترتكب كل يوم باسم الثورة!! ولنضع على الهامش ألف
إشارة استفهام وتعجب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث