الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / ضبابية المصير السوري وغياب أفق التغيير

ضبابية المصير السوري وغياب أفق التغيير

رانيا مصطفى

يستعدُّ
الأسد لتجديد حكمه في الشهرين المقبلين. لا شيء سيمنعه..!؛ الحل السياسي متوقف،
والمجتمع الدولي يتفرج، فيما يكسب النظام مناطق ويخسر أخرى، دون دلائل على أن
حسماً ممكناً في الوقت الحالي لأيّ من الطرفين.

تشهد
ساحات الصراع انزياحات في السيطرة في الفترة الأخيرة؛ فقد سيطر النظام على يبرود،
واستكمل السيطرة على ريف القلمون، لتصبح المنطقة الممتدة من ريف حمص الجنوبي
(القصير) حتى القلمون واقعة تحت سيطرته. أما في الغوطة الشرقية فقد تقدم الثوار في
جوبر، فيما يتصدون لمحاولات النظام للسيطرة على المليحة، ويستعد النظام لمعركة
اقتحام دوما. فيما سيطرت الكتائب الإسلامية على كسب في الشمال، مدعومة من تركيا،
فيما جبهات حلب مشتعلة بين أخذ ورد، وكذلك درعا وريف حماه الشمالي، وتقدم للكتائب
المعارضة في ريف إدلب. في الوقت الذي تعود فيه داعش للظهور بقوة في ريف حلب،
لمقاتلة الثوار طبعاً.

تعاني
قوات النظام الكثير من التهالك وانعدام المقدرات؛ فلم يتبق من جيش النظام سوى
مدفعيته وسلاح الجو الذي يتفوق به على الكتائب المقاتلة، ولا يفيده إلا في المزيد
من التدمير، لإنهاك الحواضن الشعبية وإجبارها على الضغط على الكتائب المقاتلة
للتهدئة أو قبول الهدن.

أما
جيش الدفاع الوطني فقادتُه وعناصره يتفرغون لأعمال السرقة والنهب في المناطق التي
يسيطر عليها النظام، وللعمل في تجارة البشر والخطف وجمع الأموال، ولا يبدون
استعداداً كبيراً للقتال، خاصة بعد مقتل عشرات الآلاف منهم؛ ويُظهر فقدان النظام
السيطرة على كسب بُئس اعتماده على ميليشيا الدفاع الوطني، فقد كان يوكل مهمة حماية
ريف اللاذقية لهم، وقد تلقوا ضربة كبيرة بعد مقتل زعيمهم هلال الأسد ومن معه. هذا
ما جعل النظام يعتمد اعتماداً أكبر على مقاتلي حزب الله، خاصة في معارك القلمون،
فضلاً عن ميليشيا أبي الفضل العباس العراقية، ومؤخراً هو يستقدم المزيد من
الميليشيات الطائفية من خارج الحدود، والتي تمتلك عقيدة قتالية عالية بسبب
اعتمادها على الطائفية كوسيلة للتأجيج.

وبالمثل
يتزايد التحكم الإقليمي بالكتائب الإسلامية المقاتلة، عن طريق التمويل، خصوصاً من
جهة السعودية وقطر وتركيا؛ حيث تُعطى دفقات من الأموال والسلاح في مناطق محددة،
وتمنع فجأة لتشهد تلك المناطق تقدماً جديداً للنظام. الجبهة الإسلامية بقيادة
زهران علوش، خاصة في الغوطة الشرقية تكن الولاء الكامل للسعودية، فيما تتحكم تركيا
بمعارك شمال اللاذقية، التي تتقدم جبهة النصرة القتال فيها، والتي بدورها تضم
مقاتلين غير سوريين على مستوى قياديين. يتراجع دور الكتائب الأخرى، غير الإسلامية
والمحلية خصوصاً، بسبب ضعف التمويل، بل إن بعض الكتائب حلت نفسها. هذا ما جعل
الصراع على الأراضي السورية يكاد يُدار بالكامل بأيادٍ غير سورية، فقد بات صراعاً
سعودياً إيرانياً على النفوذ في سوريا، ومن بوابة صبغه بطابع طائفي (سني/ شيعي).

المجتمع
الدولي يراقب الصراع دون نية لتدخل جدي لإيقافه؛ أميركا الغارقة في مشكلاتها
الاقتصادية، غير مستعدة للدخول في مشكلات جديدة، لذلك هي تريد كسب دعم روسيا ضد
خطر الصين الاقتصادي؛ لكن حرباً باردة بين الروس والأمريكان تدور على الأرض
الأوكرانية، ويبدو أنها ستنتهي لمصلحة توسع النفوذ الروسي فيها، خاصة بعد ضم القرم،
فأميركا عاجزة عن التشدد في مواقفها، اللهم إلا إذا تغير شيء في المشهد الأوكراني،
وحصلت انتفاضات شعبية ضد التدخل الروسي. هذا الانشغال بالشأن الأوكراني همش
الاهتمام بالشأن السوري من قبل المجتمع الدولي، وبالتالي تُرك الصراع السوري
للتدخلات الإقليمية؛ وبالتالي أي تغير في الموقف الدولي، إن حصل، مرهون بحسم
المسألة الأكرانية. روسيا تستغل التراجع الأميركي، وتعمل على زيادة نفوذها في شرق
أوروبا عبر سيطرتها على القرم، وفي الشرق الأوسط عبر سيطرتها على سوريا، لتظهر
كقطب إمبريالي منافس للقطب الإمبريالي الأميركي. وهي لم تكن تحظى بهذا النفوذ في
سورية قبل بدء الثورة، حيث كانت توجهات النظام هي نحو أوروبا وتركيا، وبالتالي هي
استفادت من الثورة السورية، أو بالأحرى من ضعف النظام بفعل الثورة، ومن حاجته
الماسة إلى دعم دولي خارجي، أتى من روسيا الطامحة إلى النفوذ.

ولا
شك أن علاقة تحالف تربط روسيا بإيران التي تقاتل مباشرة عن النظام عبر كتائبها
الشيعية، وعلاقة أخرى تربط أميركا بحليفها السعودي الذي يدعم التطرف الإسلامي
السني في سورية، ويدعم التوجهات الليبرالية في المعارضة (الائتلاف خصوصاً) على
السواء.

المعارضة
السورية ممثلة بهيئة التنسيق والمجلس الوطني والائتلاف الوطني، وغيرها من التكتلات
السياسية، تكرّر مراراً عجزها عن فهم الثورة، وبالتالي عجزها عن دعمها، بل على
العكس هي أحد أسباب ضعفها؛ فهي ما زالت تنشد التغيير عبر الإرادة الدولية، وخطط المبعوثين
الأمميين، دون رؤية الثورة ومشكلاتها، فهي لا ترى منها غير الوضع الإنساني المزري،
وتستعطف المجتمع الدولي للتدخل. بل الأسوأ من ذلك أنها تدعم عبر تصريحاتها التطرف
الإسلامي السني ممثلاً بداعش، وبالنصرة، وببقية الكتائب السلفية؛ وتدعم الطائفية،
فمعظمها بات يرى الصراع صراعاً طائفياً هو طرف فيه. وحتى الجانب الإغاثي لمؤسسات
المعارضة بات باباً للنهب والفساد لا أكثر.

والأنكى أن عجز المعارضة وارتهانها للإرادات
الدولية جعل أصواتاً منها تقول بطلب تدخل إسرائيلي لإسقاط النظام مقابل بيع
الجولان له، وأخرى تريد ضم كسب وشمال سوريا إلى تركيا.

التغيير
في الموقف الدولي سيكون لإيقاف الثورة وتطويعها فقط؛ لذلك فإنه بات من الضروري
حصول تغير حقيقي على الأرض لصالح العودة إلى الثورة، كثورة شعبية وطنية غير طائفية.
هذا ما يبدو غير ممكن حالياً بسبب شدة التحكم الإقليمي بالقتال على الأرض، وسيطرة
كتائب فئوية على المناطق المحررة، هي الكتائب الإسلامية، والحالة المزرية التي
تعيشها الحاضنة الشعبية للثورة، بسبب الفقر والجوع والحصار والتشرد في مخيمات
اللجوء الداخلية والخارجية. ما يعني أن الوضع السوري ضبابي ومتروك
لمصير مجهول.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *