الرئيسية / منوعات / منوع / خطران يهدّدان الثورة..!

خطران يهدّدان الثورة..!

عمّار الأحمد

لا يجادل في أن سياسات النظام الليبرالية أولاً،
والسياسية ثانياً كانت السبب المركزي لانطلاق الثورة، ولتعقيد مسارها سوى الموالين
؛ فهي برأيهم مؤامرة إمبريالية أو فتنة طائفية. ولكن الطرف الثاني لتفشيل الثورة
ومنعها من الانتصار هي المعارضة؛ وإذا أسقطنا هيئة التنسيق من حساباتنا لأنها اعتمدت
طريق الإصلاح السياسي لا الثورة، ولا تزال، وعملت على تخويف قطاعات من الشعب كلّ
الوقت من الثورة عبر لاءات مؤتمر حلبون، فإنّ قصدنا بالمعارضة محدّد في المجلس
الوطني ولاحقاً الائتلاف الوطني.

وتركيزنا على هذه النقطة، لأنّ الائتلاف لا يزال يعتمد
الآلية ذاتها، مما يساهم في تأجيل الانتصار والمساهمة في المزيد من الدّمار والقتل
والكوارث. يشذّ عن القوى السابقة قوى سياسية، حاولت جاهدة تجاوز طرفي المعارضة،
ولكنها فشلت في أن تلعب دوراً مركزياً، وتهمشت لاحقاً.

لكن كيف تساهم المعارضة في تفشيل الثورة؟

ساهمت بتفشيل الثورة حينما لم تقدّم رؤية وسياسات وبرامج
محددة للثورة، لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في المجتمع، أي لم تحدد بوضوح
طبيعة شكل النظام القادم، أهو علماني أم طائفي. ولا حددت شكل الاقتصاد بل وتميل للبرلة
وتكريس الفقر مجدداً أي ستكمّل ما قام به النظام من لبرلة للاقتصاد، وفي قضايا
المجتمع، لم تعمل بروح مجتمعية ولمصلحة أفراد المجتمع كافة ، بل ساهمت بقسط كبير
في تعميم أنّ الثورة إسلامية والنظام علوي، كما أراد النظام بالضبط، فمال الوعي
وعبر تكريس إعلامي خاطئ نحو التطيّف، وأسدل الستار تدريجياً على الوعي الوطني
العام، وازدادت الروح الدينية تباعاً؛ الروح المكرّسة أصلاً من زمن ما قبل الثورة،
حيث اعتمد النظام تنشيط العلاقات الأهلية القديمة الدينية والاثنية والتمايُز
الجنسي والعنصري وسواها، بالتالي بدلاً من فهم طبيعة المجتمع وطبيعة السلطة والوضع
المعيشي للمجتمع وللأكثرية المفقرة، تم تجاهل كل ذلك وعمّمت مفاهيم أقرب للسلطة
كما أوضحنا. أي أن أيديولوجيا الطبقة المسيطرة ظلت هي هي!!

الأنكى أن المعارضة تبنّت رؤية المعارضة العراقية
والليبية من قبل، وهي طلب الاحتلال العسكري، وإذا تحقق ذلك في تلك الدولتين، وكانت
النتيجة كارثية على البلدين، فإن الأمر غير ممكن في سوريا. وهو ما ردّده الأمريكان
بصورة مستمرة للمعارضة، لكنها لم تفهم، ويبدو أنّها لن تفهم؛ عدم قدرتها على الفهم
منطلقه عجزها التاريخي إزاء النظام وبأنّه من غير الممكن إسقاطه دون تدخل خارجي؛
وهذا قاد نحو الاعتماد في كل شؤون الثورة على الخارج الإقليمي والدولي، وبالتالي
لا يكاد يلحظ أي مشروع للمعارضة على مستوى سوريا، بل عملت بكل ما أوتيت على شراء
الولاءات السياسية والمدنية والعسكرية، وفي هذا تفشيل كامل للقوى الثورية، وبالتالي
بدلاً من تعزيز رؤية وطنية للثورة، وتتجاوز الديني والطائفي والإقليمي والدولي في
شؤون الثورة، عملت على تعزيز كل ما هو ديني وطائفي وإقليمي ودولي، وهذا بعكس روحية
الثورة في أشهرها الأولى، حيث كان الاتجاه الغالب يسير نحو تلك الرؤية. قد يكون
تخوفاً من وصم النظام لها بالطائفية، وقد يكون بسبب تجذُّر الوعي الوطني، وربما
يكون، ونميل لهذا الرأي أن الثورة جاءت بسبب السياسات الليبرالية وتزايد كتلة
المفقرين والسائرين بطريقة الإفقار وبسب رياح عربية ثورية. وبمرور السنوات الثلاث،
لم يحدث أيُّ تطوُّر، ولا أي تقدُّم في أي مجالات في الثورة، ممّا عمّق المشكلات
أمامها في الوعي والرؤية والسياسات، لذلك ليس من الغرابة بشيء تقدم مواقع
الجهاديين، ولا الوعي الطائفي ولا انكفاء الكثيرين عن الثورة.

فكيف سينضمون للثورة، والثورة لها مثل هذه القيادات وهذه
السياسات؟!

الخطر الثاني هو الجهادية التكفيرية، والتي دخلت مباشرة
عبر خط السلاح، وكانت واضحة برؤيتها نحو إمّا خلافة إسلامية مباشرة أو دولة
إسلامية سيتم الإعلان عن طرق الوصول إليها بعد نجاح الثورة (الإخوان المسلمون لا
يبتعدون كثيراً برؤيتهم عن أصحاب هذه الدولة)؛ هذا المنطق يؤدي مباشرة إلى عزل
العلمانيين والأقليات والطبقات المالكة وكتلة شعبية لا يستهان بها عن المشاركة
بالثورة، وهو ما تحقق في الواقع، ولكن كل ذلك لم يكن ممكناً لولا تبرير المعارضة
لها، واعتبار كل من أطلق رصاصةً في جسد النظام موضوع احترام، وبالتالي المعارضة هي
من شرّع لجبهة النصرة ولاحقاً لكل ما هو طائفي إعلامياً أو ككتائب مسلحة، حتى وصل
الأمر بوجود داعش، وقد برز خطرها أكثر من أن يحتمل، فحتى زعيم تنظيم القاعدة تخلى
عنها واعتبرها متطرفة، ونسبت إلى النظام، لكن وبغضِّ النظر عن ذلك، فإن غياب أي
تنظيم للثورة، هو ما سمح بوجود جهاديات تكفيرية كهذه، والأنكى مجيء الآلاف من خارج
سورية إليها، وقد كرّسوا محاكم شرعية ومنطقاً طائفياً للثورة، وقسمٌ كبيرٌ من
يقاتل داعش يعمل بها! ومارسوا سلطة دينية على السوريين، وقمعاً غير محدودين لمن
يخالفهم، ولا يواليهم؛ هذا المنطق هو نتاج غياب المنطق الوطني للثورة؛ فمع الثورات
ليس من خيارات كثيرة، فإما رؤية وسياسات وبرامج لتثوير المجتمع ودفعه نحو الخيارات
الشعبية والمواطنية وحقوق الناس بالعيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية
وو، وإمّا الذهاب نحو الطائفية وعسكرة الثورة بالكامل، والفساد، ورفض كل نقد يُوجّه
للثوار.

هذان الخطران، المعارضة السياسية الفاشلة والتي أوجدت
قيادة عسكرية فاشلة بدورها، والجهادية التفكيرية، شكّلا ولا يزالان يشكّلان الخطر
الأكبر على الثورة. الثورة معنية بإنهاء دور الائتلاف والمجلس الوطني ودور أي قوى
طائفية في قيادتها، ومعنيّة بإنهاء ظاهرة الجهادية التكفيرية؛ فمن يحارب داعش، لا
يمكن أن يكون جهادياً تكفيرياً، وإلا فإنه سيعيد مسيرة داعش الكارثية.

هل يمكن تجاوز ذلك؟!

نؤكد أن عدم تجاوز ذلك سيشكل كارثة على الثورة الآن وفي
المستقبل، ولا يوجد طريقٌ آخرُ لانتصار الثورة دون إنهاء هذين الخطرين، وتجديد
الثورة نحو أصلها الشعبي الوطني وإسقاط النظام.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *