زيد محمد – صدى الشام
“بيتي أصيب بقذيفة هاون، تسببت في تهدم جزء منه وحرقه”، قال أبو عدنان، من دمشق، مضيفا، “لم أستطع إلى الآن إصلاحه، رغم مضي نحو أربعة أشهر على الحادثة، فأسعار مواد البناء مرتفعة بشكل كبير، وأجور العمال مرتفعة بشكل أكبر”.
ويضيف “كيس الأسمنت بثمانمائة ليرة سورية، ومتر الرمل بثلاثة آلاف ليرة، وعلبة الدهان أربعة آلاف ليرة، ومتر الألمنيوم اثنا عشر ألف ليرة، فقس على ذلك كم سيكلفني إصلاح منزلي وهو كل ثروتي”.
من جانبه قال أبو قصي، نازح من ريف دمشق، “نزحت من الغوطة الشرقية منذ نحو العام، استأجرت منزلاً في ضواحي دمشق، لم أستطع أن أشتري منزلا بدلا من منزلي، الذي دمر تحت القصف، فأسعار الشقق السكنية مرتفعة جداً، فقد تضاعفت نحو ثلاثة أضعاف عما كانت عليه قبل عام 2011”.
ويتابع “حتى أني حاولت أن أبني منزلاً صغيراً فوق بيت أهلي في إحدى ضواحي دمشق إلا أنني لم أستطع تحمل الكلفة العالية، حيث سيكلفني المتر الواحد كساء وسط أكثر من 50 ألف ليرة فشقة 100 متر ستكلفني خمسة ملايين ليرة، في حين كانت تكلف قبل عام 2011 نحو 1.5 مليون ليرة”.
بدوره، قال أبو لطفي، مهني بناء، إن “العمل قلّ بشكل كبير خلال العام الماضي، فمعظم المناطق التي كنا نعمل فيها خلال السنوات الأخيرة هي اليوم مناطق ساخنة، إضافة إلى أن الكثير من المشاريع السكنية هي متوقفة اليوم، ولا أحد يقدم على بناء شقة أو بناء إلا إذا كان مضطراً، فأسعار مواد البناء وأجور اليد العاملة مرتفعة جداً مقارنة بما قبل الأحداث”.
ويبين أن “الكثير من أصحاب المهن خرجوا من البلاد، على دول الجوار، ومنهم من امتهن مهنة جديدة، عله يؤمن طعام عائلته”، موضحاً أن “ارتفاع الأسعار بشكل عام والمواد الغذائية والطبية بشكل خاص، جعلنا نرفع الأجور، فالمعيشة في دمشق أصبحت مكلفة جدا، قبل الأحداث كان أجر العامل في اليوم 300 ليرة، أما اليوم فلا يمكن أن يقل عن 1000 ليرة”.
من جهته، قال شريف، بلاط، “لم يعد العمل في مهنتي متوفرا، فقد قلت أعمال البناء بشكل كبير”، مضيفا “أعمل اليوم على بسطة ثياب مستعملة، وهي تجارة رائجة، تكفيني سؤال الناس”.
ولفت إلى أن “الكثير ممن يعرفهم من عمال البناء، إما سافروا إلى خارج البلاد إلى لبنان أو ليبيا، أو أنهم وجدوا باب رزق آخر، بسطة في إحدى شوارع دمشق أو تطوع في اللجان الشعبية وقوات الدفاع الوطني أو مع فصائل المعارضة المسلحة، فالسلاح اليوم يدر دخلا جيدا”.
من جانبه، قال أبو حيان، كان يعمل نجار بيتون في دمشق، “لم يعد العمل في البناء متوفرا بشكل دائم، حتى وصلت بنا الحال أن لا تتجاوز أيام العمل طوال الشهر أصابع اليد الواحدة، ونحن إن عملنا نأكل وإن لم نعمل نموت جوعا”.
ويضيف “وهذه الحال لم تدع أمامي سوى السفر إلى لبنان، وأعمل هناك بائع جوال، فحتى العمل في لبنان في مجال البناء صعب، بسبب كثرة اليد العاملة السورية، ما جعل أرباب العمل يخفضون الأجور بشكل كبير، مستغلين حاجتهم للعمل”.
وكانت أجور النجارين على المتر المربع وصلت مؤخرا إلى 2000 ليرة، بعد أن كانت نحو 900 ليرة قبل 2011، وارتفعت معها أجرة الطيان من 60 ليرة للمتر الواحد إلى 250 ليرة، وأجرة تركيب السيراميك على الجدران 300 ليرة، وتركيبه على السقف نحو 600 ليرة،
من جهتها، ألغت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة النظام، تحرير أسعار مواد البناء والإسمنت الأبيض، كما تم تكليف مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك بالمحافظات، لإعداد دراسات سعرية لهذه المواد في الأسواق مع بيان أسباب فروقات الأسعار ما بين معمل وآخر، وبين محل وآخر ليصار إلى اتخاذ القرارات اللازمة بشأنها.
وسبق أن قامت وزارة التجارة الداخلية بإلغاء تحرير أسعار العديد من السلع والمواد مثل الألبسة والأحذية والعديد من المواد الغذائية، متحدثة عن أنها ستعمل على تقييد نحو 80% من السلع المحررة سابقا.
وكانت السلطات السورية حررت أسعار معظم البضائع، تحت يافطة أن الأسعار تحدد عبر العرض والطلب، في جو من المنافسة الحرة، إلا أن الواقع كان مختلفا عن ذلك حيث تم رفع الأسعار عبر تجمعات احتكارية، استحوذت على السوق.
بالمقابل، قال زكريا، محلل اقتصادي، إن “سوق العقارات في سوريا في سبات، جراء الأحداث التي تشهدها معظم المناطق، وتدهور وضع السوريين الاقتصادي، وتحوّل نحو 18 مليون شخص للعيش تحت خط الفقر من أصل قرابة 24 مليون سوري، إضافة إلى لجوء نحو نصف الشعب السوري إلى خارج البلاد مع مئات مليارات الدولارات، في حين هدم القصف والمواجهات المسلحة العديد من المناطق”.
ويتابع “في ظل هذه الواقع المزري عشرات آلاف المنشآت الاقتصادية والمشاريع الإنشائية توقفت أو دمرت أو نهبت، وأصبح عمالها عاطلين عن العمل أو انخرطوا في مهن أخرى بعضها له علاقة بالمعارك الدائرة في البلاد”.
ويوضح أن “الكثير من مناطق المقالع تشهد توترات، إضافة إلى تدهور حالة الأمان في الطرق وانقطاع بعضها، وارتفاع تكلفة النقل، أضف إلى ذلك انخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار، هذا كله تسبب في قلة توفر المواد الأولية لعملية البناء، كما رفع أسعارها بشكل كبير، ككل أسعار غيرها من البضائع”.
وأضاف أن ” تدهور القطاع العقاري ككل القطاعات الاقتصادية، كان له أثر سلبي كبير اجتماعي واقتصادي على المجتمع السوري، ما يهدده بكثير من الأمراض الاجتماعية كانتشار الجريمة والمخدرات وغيرها من تهديد لنسيج المجتمع”.
ولفت إلى أن “القطاع العقاري سيشهد فقاعة نمو ذات تأثير مرحلي، وفورة مادية، وقطاع جاذب لليد العاملة، في حال استقرت البلاد”، محذرا من أن “قطاع العقارات أو السياحة، رغم دورته المالية السريعة ومرابحة الكبيرة، لكن لا يمكن أن يكون قاطرة النمو، بحسب ما يسوق له اليوم عبر المسؤولين ووسائل الإعلام الرسمية”.
وأضاف أن “الغالبية العظمى ممن تهدمت منازلهم وفقدوا أعمالهم هم من فقراء سوريا، وبحاجة إلى دعم من الدولة، لإعادة إعمار مناطق إقامتهم، لإعادة حالة الاستقرار لهم، خاصة في وضع تغيرت فيه التركيبة الديمغرافية للسوريين”.
ورأى أن “مشاريع التنظيم التي تعلنها السلطات لبعض مناطق دمشق، والتي قد تكون مصادفة أنها شهدت حراكاً شعبياً، حيث تم الإعلان عن أن السلطة ستقدم بدل إيجار للسكان، الذين سيخلون مساكنهم، قدر لسكان المزه بـ30 ألف شهرياً، في حين تعاني الضواحي من اختناق سكاني بسبب أعداد النازحين الكبيرة التي لجؤوا إليها، في حين تفوق أجرة المنزل في دمشق الـ75 ألف ليرة، وهذا سيشكل ضغطاً إضافياً على من أُخرج من منزله”.
وكانت “محافظة دمشق” قدمت عرضاً في شباط الماضي، لمشروع السكن البديل على المقاسم التنظيمية في منطقتي جنوب شرق المزة وجنوب المتحلق الجنوبي، وذلك خلال اجتماع مسؤولين منها مع رئيس “مجلس الوزراء” وائل الحلقي.
يذكر أن المكتب التنفيذي في “محافظة دمشق” كان قد وافق على تصديق وإصدار المخطط التفصيلي رقم 101 جنوب شرق المزة خلال 2012، وذلك لتعديل الصفة العمرانية لمنطقتين عقاريتين في المزة وكفرسوسة إلى مناطق قيد التنظيم وذلك وفقاً لأحكام المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث