*طريف العتيق
مرّت الذكرى الثالثة للثورة هذا العام بصخبٍ أقل ممّا كان عليه الأمر في العامين الماضيين، لم ينزل السوريون هذا العام بمئات الآلاف إلى الشوارع احتفالًا بالسنوية، كثيرون منهم كانوا جالسين في بيوتهم، يتأملون متفكّرين في أحوال الثورة، وكلّ ما يرتبط بها، وما نتج عنها بعد ثلاث أعوام من الكفاح والصبر.
وهذه نقطة أخرى تسجّل لمصلحة الثورة السوريّة، أقصد أنّ المراجعات الذاتيّة فيها لم تتأخر، بل سرعان ما انطلقت، وتغذّت مع كل كبوة لها، وفي هذا فارق كبير في التعاطي الذاتي مع التجربة الواقعيّة، إذ لم تحظ تجربة الثمانينيات مثلًا بمراجعات ذاتية حقيقية، يُعبّر عن ذلك افتقار المكتبة العربية لأي كتاب سوريّ يتناول تلك الفترة ومعطياتها! اللهم إلا ما حدث مؤخرًا جدًا..
من هنا نعود إذًا لننظر بعين متوازنة لثورة تدخلت كلّ قوى الدنيا لحرفها عن مسارها، ورغم ذلك فقد حققت في واقع الأمر الكثير من هدف أي ثورة! وهذا ما لن يصدقه معظمُ السوريين اليوم، الذين يتجرّعون مرارة كبيرة حينما ينظرون إلى ما آلت عليه الأحوال اليوم، وكيف أننا انطلقنا لبناء سوريا جديدة، تقوم على الحرية العامة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، لننتهي إلى بلد مدمّر مقسوم بين كتائب إسلامية متشدّدة ومتناحرة (شيعيّة على الطرف الأوّل للجبهة، وسنيّة على الطرف الآخر).
هذه المرارة التي تغصّ بها قلوب السوريين عموماً، ولاسيما تلك الفئة الشابة التي آمنت بالثورة قبل أن تندلع، فتمنتها، وحضّرت لها، ثم سكبت بها روحها، لتجد نفسها في نهاية المطاف فاقدة لأي دور قادر على توجيه مسار الأحداث… أقول هذه المرارة آتية من سوء فهم عملت وسائل الإعلام جاهدةً على ترسيخه، وهو يدور حول وظيفة الثورة، أو ما الذي يفترض بالثورة أن تحققه؟
تلك الوظيفة التي لخصها شعار الثورة الأشهر: الشعب يريد ‘إسقاط النظام’.. لقد كان الحس البديهي للشعوب المنتفضة في صياغتها لهذا الشعار مصيباً تماماً، في تقديم «الإسقاط» على «البناء»، فكيف لك أن تبني بناءً جديدًا فوق بناء قديم متهالك؟!
إنه لا بدّ أولًا من فعل «الهدم» لإزالة ما سبق بناؤه، لنتمكن بعد ذلك من وضع «الأسس» المتينة والصحيحة، ليتلوها لاحقاً عملية «البناء»، ومن ثم نصل إلى ما كنا نبتغيه منذ البداية.
رغم بساطة المنطق السابق إلا أنه غاب عن أذهان كثيرين منّا، ونحن نندب حظنا؛ في كلّ مرّة يجول أمام ناظرنا نتائج فعل «الهدم» الذي عمّ أرجاء البلاد طولًا وعرضًا.. معتبرين ذلك لعنة العصر لا غير.
لقد طال الهدم أول ما طال، المؤسسة الأمنية – العسكرية، وهي الحاكم الحقيقي للبلاد منذ خمسين عامًا باعتبارها أقوى مؤسسة سوريا على الإطلاق، وجاء الهدم على شكل انشقاقات بدأت فرديّة ثم سرعان ما طالت تشكيلات عسكريّة بأكملها، بالإضافة إلى عمليات التصفية التي طالت بعضًا من كبار رموزها وقادتها (فضلاً عن أذرعها الصغيرة)، وهذا كلّه أضعف القبضة الأمنية على البلاد – رغم ما يراه البعض من عكس ذلك – ليس بدلالة المناطق الجغرافية التي سقطت سيطرت النظام عليها، بل بالأنفس البشرية التي فُقدت السيطرة عليها، فثارت ولا تزال.
وعمّ الهدم أجزاء كبيرة من الكيان السياسي – الإداري للدولة، تارةً بالانشقاق، وتارة برغبة اعتزال المشاركة والابتعاد عن الأضواء، كما وجّهت ضربات قاسية للتيار الديني السائد والمرعي من الدولة، والذي فقد هيبته وسطوته على أنفس الناس، وكُشف من أوراقه المستورة الكثير، ممّا أفاد السوريين مناعةً من الانخداع بهم، بعد طول غفلة، وبعد اعتبار هذا التيار الممثل الوحيد للفهم السليم للدين، رغم كل حمولته السلبية، وهذا ما فتح الطريق اليوم وللمرة الأولى للبحث عن تصور أكثر نقاوة للتدين..
وكان للنسيج الاجتماعي نصيبه من الهدم، إذ وُضع المجتمع السوري للمرّة الأولى في مواجهةٍ مع المسائل الأكثر حساسية في ثقافة أي مجتمع وبشكل حرّ تماماً، لاختبار الأفكار الجاهزة وقابليتها للتطبيق ونتائجها على الأرض، كمسألة الطائفية، ومسألة الأكثرية – الأقلية، وغيرها، وقد سالت دماء بريئة كثيرة في ذلك، وهذا للأسف الطريق الوحيد الذي يمكن للجماهير أن تتخذه أسلوباً في تحديد الفكرة الأكثر صواباً، فما الديمقراطية الغربية – مثلًا- إلا نتاج صراعات ودماء أكثر أسفا وأفدح ثمنا.. ورغم ذلك فلم يكن من الممكن بناء شيء على النسيج السوري السابق المهترئ، وهذا أيضًا ينطبق على التفكّك الذي طال عشرات المئات من الأسر السوريّة التي فصلت ظروف كثيرة بين الأهل وأبنائها (كالالتحاق بالجيش الحر، العمل كتمطوّعين متفرغين، السفر الاضطراري، الخ)، وهذا التفكك سيتيح للأبناء حريةً كثيرًا ما كانوا يفتقدونها في ظلّ سلطة العائلة الكبيرة، مما سينضج شخصياتهم بشكل أفضل، ويصقل خبراتهم، وينمي تجاربهم، علاوةً على مَن نزح خارج البلاد، وما يتيحه ذلك من الاطلّاع على نماذج مجتمعية أخرى – ولاسيما الأوروبية منها، وتَفتُح الوعي على أفكارٍ وثقافات مختلفة، وما ينتج عن ذلك من رفد حضاري للعقل السوريّ..
وبالتأكيد فإن الهدم طال النسيج الاقتصادي، وهو نسيج ربما يبكي الكثيرون على تهدمه، ناسين كل الفساد والعفن الذي أشله عن تحقيق أي رفاه سوريّ بل حتى عن ردم الفجوة المتسعة باستمرار بين طبقة صغيرة تملك كلّ شيء وباقي طبقات المجتمع… نعم نسيج الاقتصاد تهدّم، لكنها الفرصة الوحيدة لمحاولة بناء نسيج آخر قادر على تحقيق شروط عيش كريم للجميع، ورخاء اقتصادي محتمل للجيل القادم..
كلُّ ما سبق هو نتائج تحسب للثورة لا عليها كما يرى الكثيرون اليوم، وبمقياس «الهدم» فإن الثورة السورية حققت الكثير – بل ربما حان الوقت لإيقاف عملية الهدم تلك، والتي كلفت للأسف الكثير من أرواح السورين، والكثير من ممتلكاتهم الشخصية..
كل ما جرى كان صعبًا ومؤلمًا للغاية، لكنه يكمن على فرص وإمكانات هائلة لاستثماره إيجاباً، فكل هدم يفتح الفرصة أمام بناء جديد طموح.. لكن يحتاج ذلك إلى عين يقظة ونفسٍ إيجابية..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث