عبد القادر عبد اللي
انقشعَ غبارُ المعركة الانتخابية الأولى في تركيا، أي الانتخابات البلدية عن فوزٍ فاجأ المراقبين، وخاصة العرب منهم لحزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أرضوغان، ولعل الأمرَ الوحيدَ غير المستغرب، هو تشارك ألدِّ الأعداء (النظامين السوري والسعودي) الحزن على فوز العدالة والتنمية هذا، ولا ندري إن كان قد تبادل جلالة الملكين السوري والسعودي التعازي بهذا الفوز.. علماً أن هذه المعركة، هي واحدة من سلسلة معارك انتخابية تستعدُّ تركيا لخوضها، ستنتهي بانتخابات عامة، وفيما بينهما انتخابات رئاسة الجمهورية التي ستجري أول مرة بالاقتراع الشعبي المباشر.
يقال “لولا الأمل لما كانت هناك فسحة في الحياة” فمازال الأمل يتجدد لدى الجميع.. الخصوم، أيّ النظام السعودي والسوري، وطبعاً معهما النظام السيسي بدؤوا التحضير للمعركة الانتخابية التركية القادمة.
والأحزاب التركية أيضاً بدأت التحضير للانتخابات القادمة.. وطبعاً مع كلِّ بداية يولد أمل جديد، أمل حزب العدالة والتنمية في تحقيق نجاح كبير في أول انتخابات رئاسية تجري بطريقة الاقتراع المباشر من الشعب على منصب رئاسة الجمهورية، وأمل النظامين السعودي والسوري، ويتبعهما النظام السيسي بخسارة العدالة والتنمية هذه الانتخابات…
بدأت الحملة الآن بتشبيه أرضوغان بقيصر روسيا بوتين، ورُسم سيناريو جديد يجعل أرضوغان يتبادل الموقع بينه وبين عبد الله غول، على الطريقة القيصرية الروسية، وبغضٍّ النظر عن موقف هذه الأنظمة من بوتين، فهل هناك تشابه حقيقي؟
أولاً: الديمقراطية التركية قطعت شوطاً طويلاً بما لا يقاس مع شقيقتها اللدودة روسيا. فالنظام الروسي أشبه بالجمهلكيات العربية على صعيد الانتخابات والإعلام وحرية الرأي، فهذه اللعّب خاصة بالأنظمة غير الديمقراطية، ولا يمكن لدولة ديمقراطية تسير على نهج التوافق مع الاتحاد الأوربي أن تلعب هذه اللعبة.
ثانياً: تشهد تركيا تغييراً جذرياً على صعيد النظام، فهناك تعديل دستوري قائم، أُنجز التوافق البرلماني على قسم كبير منه، وبداية تحوّل إلى نظام شبه رئاسي بدلاً من النظام البرلماني الحالي، وفي هذه الحالة على ما يبدو يُراد تشبيه النظام القيصري الذي يسمى رئاسي في روسيا، بنظام شبه رئاسي على الطريقة الأوربية في تركيا.
ثالثاً: عبد الله غول ليس “ديمتري ميدفيدف” تلك الشخصية الممسوحة التي يمكن أن يستخدمها أرضوغان ستارة يحكم من خلفها البلد، فهما –أرضوغان وغول- سياسيان مثلهما مثل سياسيي أوروبا، وتجمعهما صداقة وعقيدة سياسية واحدة، ويختلفان حيناً ويتفقان أحياناً مثلهما مثل أيّ قياديين في حزب ديمقراطي، وقد أسسا معاً حزب العدالة والتنمية، وفي حال تبادل الأدوار سيكون لشخصية عبد الله غول دور مؤثر وفاعل في السياسة التركية، وحتى يمكن لهدوئه أن يحقق نجاحات كبيرة في إدارة شؤون الحكومة…
رابعاً: في الحالة التركية، يريد أرضوغان نقل قسم كبير من صلاحياته معه إلى رئاسة الجمهورية، وهذا بحدِّ ذاته فرق جوهري بينه وبين بوتين.
خامساً: لو أراد أرضوغان البقاء في الحكم كرئيس للوزراء فما الذي سيمنعه؟ الدستور التركي الحالي يعطي رئيس الحكومة فترات غير محددة، بينما يعطي رئيس الجمهورية فترة واحدة مدتها سبع سنوات. وأرضوغان هو وحزبه من وضع شرط الدورات الثلاث لرئيس الحزب، وليس هناك ما يلزمه بهذا سوى التزامه بما يقوله.
هذا يعني أن المعركة الانتخابية على مقعد الرئاسة التركية بدأ باكراً، وقد بدأ في الخارج قبل أن يبدأ في الداخل. ففي الداخل مازال صندوقٌ هنا، وآخرُ هناك يحتاج إلى إعادة إحصاء، وثمة ناحيةٌ هنا وأخرى هناك تقرر فيها إعادة الانتخابات..
على صعيد المعارضة، هناك بوادر صراع داخلي بين حزب الشعب الجمهوري ومرشّح الحزب لرئاسة بلدية اسطنبول مصطفى صارِ غول، ويبدو أن هناك تحضيراً ليحل صارِ غول محل كمال قلتشدار أوغلو الرئيس الحالي، وتدور التسريبات بأن الشيخ فتح الله غولان يقف وراء هذا التغيير في القطاع الذي يدّعي العلمانية، لأنه يريد شخصية لا تثير الشكوك بانتمائها الطائفي القومي مثل قلتشدار العلوي الكردي… هل يكفي هذا الحزب تغيير الرئيس لكي يعود إلى الحياة؟ طبعاً يكفي في حال حمل هذا الرئيس مشروعاً مختلفاً، ولكن لن يتغير شيء فيما لو بقي يردد المقولات السابقة… لأن الجرأة لم تعد برفع الشعارات، بل الجرأة بتحطيم تلك الشعارات.
في النهاية بدأت المؤشرات تلوح في الأفق بأن المعركة الانتخابية التركية القادمة ستلعب على وتر التشبيه بين أرضوغان وبوتين لتشويه سمعة أرضوغان، ولكنْ ثمّة مأزقٌ في هذه الادّعاءات. يمكن أن يكون تشبيه النظام السعودي لأرضوغان ببوتين أمراً عادياً، فكلاهما مكروهان لدى النظام السعودي، ولكن هل سيتمكن النظام السوري أو النظام السيسي مثلاً من إجراء هذا التشبيه؟ بالنسبة لهذين النظامين فإن بوتين عظيم عصره، ولا يفوقه بالعظمة سوى بشار الأسد في سوريا وعبد الفتاح السيسي في مصر، فكيف سيبدأان الحملة؟ حقيقة هذا أمر يدعو إلى الفضول…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث