عبد القادر عبد اللي
قال أحد رؤساء شركات استطلاع الرأي قبل شهرين من الانتخابات المحلية التركية: “إذا تحالفت الأحزاب كلها ضد حزب العدالة والتنمية، فلن تنجح في اسطنبول”. لماذا اسطنبول؟ لأن عدد سكانها ثمانية عشر مليوناً، وهذا يعني ما يقارب ربع سكان تركيا. يومئذ اعتبره الجميع يهذي، لأن ما حصلت عليه تلك الأحزاب من أصوات يزيد بكثير عما أخذه العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية السابقة.
من جهةٍ أخرى هل يتحالف حزب الشعب الجمهوري الذي يعتبر الإسلام السياسي أكبر أخطار العالم مع إسلام سياسي آخر؟ هذا طبيعي في مصر عندما تحالف العسكر مع السلفيين لإسقاط الأخوان، ولكنه ليس طبيعياً في بلد ديمقراطي كتركيا! هل يتحالف الشعب الجمهوري الذي يعلن أنه يساري، ويترأسه كردي علوي مع حزب قومي تركي متشدد؟ لم تكن تدخل في عقل أحد حتى أعلن هذا الحزب مرشحيه. لقد رشّح شخصية من حزب الحركة القومية اليميني على قائمته في أنقرة، وقال هذا المرشح منصور ياواش وهو يُدلي بصوته: “هذه المرة الأولى في حياتي التي أصوّت فيها لحزب الشعب الجمهوري!” وتبين من خلال التصويت في أغلب المحافظات أن حزب الحركة القومية أعطى أصواته لحزب الشعب، وحزب الشعب أعطى أصواته لحزب الحركة القومية (ما عدا أضنة ومرسين).
نعم، في غالبية المحافظات كان الصراع بين العدالة والتنمية وتحالف الأضداد، أي تحالف الجميع ضده، ولم يخفها حزب الشعب الجمهوري، فاعتبرها شعاره الانتخابي على مساحة تركيا كلها: “القوة التوحيدية”…
منذ أكثر من خمس سنوات أُبرز رأياً سياسياً متكرراً في الشأن التركي الداخلي: “تركيا لا تعاني من أزمة سلطة، بل من أزمة معارضة!” نعم، لا أحد يُنكر أن حزب العدالة والتنمية حقق قفزات خيالية خلال اثنتي عشرة سنة، لو قالها لي أحد في تلك الأيام لضحكت منه كثيراً. هذه القفزات لم تكن على صعيد التنمية والخدمات فقط، بل على صعيد التحوُّل الديمقراطي أيضاً.
من كان يتخيّل أن يمرَّ من فوق جسر الخليج الذهبي في اسطنبول دون أن يسد أنفه ما استطاع، نتيجة التلوث؟ الآن يذهب إلى هناك لتناول السمك أمام منظر من أروع مناظر العالم… من كان يتخيل أن تصفى سماء أنقرة بعد أن كان الدخان يغطيها؟ تحولت اليوم إلى مدينة خضراء بعد أن كانت سوداء… بالطبع لا يمكن تعداد ما أُنجز في عقد من الزمان من خدمات.
على الصعيد السياسي، من كان يتصور أن ينسحب العسكر من الحكم؟ من كان يتخيل أن تدخل القضية الكردية، جرح تركيا النازف مدخلاً سياسياً يُلقى فيه السلاح؟ هنا أيضاً لا سبيل لتعداد ما أُنجز، الذي سيصل إلى “إسقاط النظام”! نعم، هناك مشروع دستور جديد، وبالتالي نظام جديد، سيتوج هذا العام على الأغلب مسقطاً النظام السابق.
لقد قال أرضوغان عبارة هامة قبل يوم واحد فقط من الانتخابات: “نشيد الذكرى العاشرة لا يشبع البطون”. هذه العبارة كانت قبل خمسة عشر عاماً يمكن أن تودي بصاحبها إلى الإعدام! فهذا النشيد الذي يمجّد الجمهورية أصبح النشيد المقدّس للجمهورية التركية بعد النشيد الوطني الرسمي. هذا مؤشّر آخر على عزم حزب العدالة والتنمية على تغيير النظام… ولكنه تغيير انتخابي يمر من الصندوق دون جرحى أو قتلى…
أريد أن أعترف بأن الأحزاب المعارضة هذه المرة قطعت شوطاً طويلاً على صعيد الشعارات الانتخابية، فلم تعلن شعاراتها كلها أيديولوجية، وأدخلت شعارات خدمية، ولكنها خربتها بإصدار الإشاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى اضطر الإنسان إلى قراءة تكذيب أو اثنين كل يوم…
قبل الانتخابات بأيام جلست في حوار طويل مع أحد المثقفين اليساريين المناهضين لحزب العدالة والتنمية، وتبادلنا الحديث في السياسة التركية والشرق أوسطية.
ذكّرته بما كانت عليه تركيا، وما آلت إليه. وافقني بحماس، وقال: “يجب أن يكون شعارنا: ‘أحسنتم، ونريد المزيد’!” قلت له: “أعطني حزباً يقول هذا!” قال: “لا يوجد.” أين المشكلة إذاً؟ عندما طرحت عليه هذا السؤال، عاد إلى بداية حديثي، وقال: “نعم، نحن نعاني من أزمة معارضة” وطالما أن المعارضة ستبذل كلَّ جهودها للمحافظة على أزمتها، سيبقى حزب العدالة والتنمية مُتصدّراً، بل سيحسّن من مستواه، كما فعل في هذه الانتخابات، إذ رفع رصيده حوالي عشر نقط مقارنة بالانتخابات البلدية السابقة…
نعم، هذه الانتخابات كانت مصيرية، وما بعدها ليس كما قبلها كما جرى في الانتخابات السابقة. هناك كثير من الدعاوى والتصفيات السياسية ستتم بصمت أو صخب. ستنزل بعض النساء عاريات إلى الشارع، كما فعلن في أحد المراكز الانتخابية احتجاجاً… وتخرج بعض المظاهرات هنا وهناك… ولكن القطار انطلق… إلى تغيير شامل للنظام…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث