عمّار الأحمد
فشل جنيف يساوي تأبيد حالة الدمار والقتل بسوريا، وتأجيل نهاية الصراع الدموي إلى أجل لاحق، والإيغال في التدخّل الإقليمي والدولي في سوريا.
ولكن، هل كان بمقدور المعارضة تقديم تنازلات في مسألة الهيئة الانتقالية؟ قطعاً الأمر غير ممكن. هل كان بمقدور النّظام تقديم تنازلات، والبدء بتشكيل هيئة انتقالية؟ لقد راهنّا على الضغط الدولي وخطر الاهتزاز الإقليمي ووعي روسيا مصالحها في سوريا، ولكن كل ذلك تبيّن أنّه تسرّع من قبلنا، ورغبة في إنهاء القتال أكثر مما هو واقعي.
إذاً: الأكيد أنّ النظام لا يريد جنيف، وهو مُجبرٌ عليه، وأن الرُّوسَ لا يستطيعون تجاهُل الضرورة الدولية لمسار سياسي، وبالتالي عمل الروس من أجل مسار سياسيٍّ موازٍ للمسار العسكري، مع الاستمرار بالأكاذيب عن مسؤولية المعارضة ومؤيدي الثورة في منع تحقق الحل السياسي.
على الأرض تبدو مؤشرات المعارك كبيرة بدءاً من يبرود وصولاً إلى درعا وحلب، وفي محيط دمشق عُقدت بعضُ الهدن، وقد تسحب في أيِّ وقتٍ.
النظام يتلقى دعماً إضافياً من حزب الله وروسيا وإيران كي يحسموا المعارك، وقيادة الائتلاف تستبدل قائد أركان الجيش الحر، وسليم إدريس يرفض، ويُفتح هنا صراعٌ جديدٌ، والأخبار تتوالى عن سلاح نوعي قادم، وبالتالي ينتظر سوريا معارك قاسية.
وإذا كان جنيف مسألة دولية وإقليمية، فإنَّ سببَ فشله الحقيقي متعلّق بأسباب داخلية وخارجية، داخلية، وترتبط بغياب أية استراتيجية وطنية للثورة وللصراع العسكري ومنذ بدايتها، فعاشت فوضى مستمرة ولا زالت، فوضى في الميادين كافة، فلا خطة للقوى السياسية الرئيسية لنظام الحكم القادم أو لكيفية إسقاط النظام، وفي العمل العسكري، لا جبهات أو قيادة أو أهداف موحدة، وهناك مرجعيات مختلفة تبدأ بالمحلي وتصل إلى الخلافة الإسلامية، عدا عن التّدخُّل الإقليمي والأمريكي الشديد في هذا الموضوع، وبالتالي التحكُّم بسير المعارك الداخلية.
وقد تركت قطاعات شعبية واسعة وفي المدن والمناطق كافة لإعلام النظام واعتبارها إمّا أقليات مذعورة، وإما مجموعات مُغرّر بها، بل تصل التفاهة حدّها الأقصى حينما يقال أن وليد المعلم وعمران الزعبي وو، هم سُنّة مغلوب على أمرهم، أي أن الثورة سنية والنظام علوي، ولا شيء غير ذلك؛ فهذا خطاب بائس تماماً، وهو مجافٍ للواقع، ويعظّم مسائل بسيطة، ولا يقدر خطورة طائفيته على الوعي وترسيخ الانقسامات بين جمهور النظام وجمهور الثورة، وهناك إشكال في عدم القدرة على إيجاد آلية قضائية تنظر بشؤون الناس في المناطق المحررة، أو ضرورة خضوع المأسورين إلى محاكمات عادلة ويترك الأمر إما إلى محاكم شرعية، وتنفذ حكم القتل بهم، ولا أحد يعرف مدى صوابيتها، أو لا يعرف أي مصير لهم! وهو عمل يشبه تماماً طريقة احتجاز النظام للمأسورين لديه، وقد فشلت فكرة المجالس المحلية، وتتبيعها سياسياً لقوى سياسية وحزبية، وهو ما يسري على الكتائب العسكري، حيث يكون الدّعمُ مشروطاً بالولاء لجماعة أو مجلس أو تيار بعينه. وهناك رداءة إعلام الثورة، فرغم اقتراب عامها الرابع لم تظهر فضائية واحدة تعمل بمهنية وتصوّر الواقع كما هو تماماً وشاعت في الآونة الأخيرة الإذاعات، وهذه لم تثبت أية أهمية تذكر، وربما جرائد الثورة هي الأفضل في ذلك، ولكنه بقيت محدودة وهامشية التأثير، حيث لا نجد تأثيراً لها على تنظيم الشؤون الحياتية والثورية للثوار، رغم أن أهميتها، ومبرّر وجودها يكمن في الارتقاء بالوعي وتقييم الثورة والمعارضة، وهذا يوضح أنّها لا تدعم جدياً من الهيئات السياسية وهي بدورها لا تتبنّى تصوُّراً مسبقاً عن عملها اللاحق، وكيف تصل إلى غاياتها في الارتقاء بالوعي، ولنقل الإسهام في تحديد مشكلات الثورة وفي اقتراح الأفكار والمساهمة في خلق وعي ثوري، وقد ظهرت هشاشة إعلام المعارضة في جنيف، حيث لم يُلمس لها تأثير أبداً باستثناء بعض الأصوات الفردية، وهذا يوضح أنّ العفوية والفوضى هي السياسة العامة لقوى المعارضة والثورة؛ إذا هكذا واقع هو الذي ساهم في عدم توسع الثورة، وخمودها التدريجي في المناطق التي يسيطر عليها النظام سواء في دمشق أو في مدن أخرى.
طبعاً، الخيار الأمني والعسكري الوحيد للنظام في مواجهة الشعب، هو عامل مركزي في منع انتشار الثورة، وفي تقييد كل نشاطاتها، ولكن هذا أمر أقل من طبيعي فهو نظام!، وقد قام بدوره هذا بصورة فاقت كل التوقعات، وفي الممارسات كافة.
الأسباب الخارجية، وتتعلق برغبة الدول الإقليمية والعالمية، وهنا لن نتكلم عن حلفاء النظام، فهم قطعاً يريدون اجتثاث الثورة وكلّ تغيير جديّ في النظام؛ تلك الدول عملت بشكل رئيسي على إنهاء الثورة، ولم تتجاوز فكرة الحل السياسي بالأصل، وساهمت من ناحية أخرى، في دفعها نحو العسكرة، وتطييفها بكلِّ السُّبُل، ودعمت كل الكتائب ذات التوجه الإسلامي المتشدّد، وهي المسؤولة عن تشكيل الجبهة الإسلامية مؤخراً؛ وجاء دعمها المال والسلاح بصورة هامشية ورديئة. وبعكس آراء تؤكد الاستقلالية، فإن دول الإقليم لا تعمل خارج السياسة الأمريكية في سوريا، والتي تتلّخص في إيقاف الثورة وتدمير سوريا، وتسليمها إلى روسيا وإزالة خطرها عن إسرائيل، وما منع ذلك وبشكلٍ مستمرٍّ هي الطاقة الذاتية للثورة، حيث كان تجدّدها هو الوحيد المانع لأيِّ حلٍّ يمكن أن يقدم لها، عدا عن التصعيد المستمر للنظام في خياره الأمني العسكري، رافضاً أيَّ ملامحٍ لحل سياسي.
غياب نيّة أمريكا بالتدخل العسكري، أو توريد سلاح نوعي ومتقدّم للمعارضة، هو أمرٌ يعرفه النظام تماماً، وهذا بعكس غباء المعارضة، التي بنت جزءاً من استراتيجيتها لإسقاط النظام على وَهْمِ التدخُّل والسلاح، وبالتالي أجبرت سوريا على صراع عسكري مستدام هو بحقيقته استنزاف مخيف لبشر وثروات سوريا، وتهميش حالي، ولاحق لها في اللعبة الإقليمية وتحويلها إلى بلد تابع لأكثر من عقد، وربما لزمن أطول.
هذه بعض الأسباب الحقيقية لفشل جنيف؛ وهو سيستمرُّ بالفشل ما لم تتغير المعطيات الداخلية والخارجية، نحو انتصارات داخلية أو تهديد دولي جديٍّ للنظام.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث