نبيل شبيب
كان كثيرٌ منا أو كنا عموما نتابع الثورة، فنرحّب بالانتصارات ونهللُ للإنجازات عبر العالم الافتراضي والثوار يصنعون الحدث في ميادين المواجهة.
وكان بعضُنا -للأسف- يرى تقلُّبات مسار الثورة في الدرجة الأولى عبر مسارات من تصدّى لتمثيلها سياسياً بغض النظر عن الطرق التي اتّبعوها، وسلبياتها الكثيرة وإيجابياتها القليلة، بينما كان الثوار يحملون أعباء مسار الثورة من خلال عطاءاتهم وتضحياتهم.
وانشغل المخلصون بمتابعة مسلسل المعاناة، واستطاع صُنَّاعُ الجريمة أن يراكموا حصيلة جرائمهم في ألوان من المعاناة، حتى استهلكت قدرات المخلصين على العطاء، وتكاد تستهلك القدرة على التحمل تحت القصف، وفي التشريد داخل الوطن وعلى حدوده.
أين نحن الآن؟
لم تنقطع كوابيس المعاناة، ويبدو أن مَن كانوا يتابعون الانتصارات بالأمس في العالم الافتراضي، أصبحوا بحكم ما لا يزال يتوافر لديهم من وقت وأمن وحواسيب ووصلات شبكية، هم الأقدر من بقايا النظام وداعش، على وأد الثورة والثوار، نقداً بارعاً وتنظيراً خانعاً” ونعياً متكرراً.
يكاد القصف المتواصل بالكلمات يتجاوز بحجمه ما نسجّلُه يومياً من القصف بالبراميل المتفجرة، ونتساءل عن الدوافع والأسباب والغايات، ولا نجد جواباً.
إذا كان مسار الثورة سينقطع، وكابوس نصف قرن مضى سيتكرر، فهل في هذا القصف الانتحاري بالكلمات ما يعجل بانتصار الثورة، أو ما يبدل واقعها الراهن إلى الأفضل، أو يخفف من وطأة المعاناة قدر أنملة، أم أن المطلوب إضافة كوابيس التيئيس إلى كوابيس المعاناة؟
إذا كان الثُّوَّار في أقلام بعضكم تائهين، والسَّاسة أغبياء، والعدو مجرماً كما هو فعلاً، فهل تعتقدون أن ما تصولون به وتجولون في العالم الافتراضي سيغيّر من ذلك شيئاً نحو الأفضل، بأيِّ شكل من الأشكال، أم أن المقصود مجرد التنفيس عمّا في أنفسكم وتوزيع غضبكم ذات اليمين وذات الشمال دون حساب؟
هل صنعتم ثورة أفضل من هذه الثورة؟ هل خففتم قدراً من المعاناة قبل الثورة؟ هل لديكم رؤية من أجل مستقبل آخر غير الذي سيأتينا عبر هذه الثورة؟
إذا كان الثُّوّار لا يخططون، خطِّطوا لهم، أو لا يفقهون، فكِّروا من أجلهم، أو لا يتوحدون.. بَيِّنوا لهم، أما الشتيمة من وراء الشاشات الصغيرة، والتنديد بعبارات استعلائية، فعلاوة على أنه لا يغير من مسار الثورة والثوار شيئا -اللهم إلا سلبياً بوأدها دون أن تلفظ أنفاسها- فهو ما يضيف إلى كوابيس المعاناة التي تتذرعون بها مزيداً من المعاناة، ولا سيما أنكم لا ترسلون عبر العالم الافتراضي كِساءً ولا دواءً ولا حتى مواساة بكلمة طيبة، بل تقولون للجموع التي تعاني من شعبكم: لن تخرجوا من الموت إلا إلى الموت ومن العذاب إلا إلى العذاب، فما الذي ترونه من وراء ذلك؟ ما الذي تحققونه؟ ما الذي يجعلكم تطمئنون إلى ما تصنعون فتواصلون، وتواصلون، وتواصلون، وأنتم حيث أنتم؟ ومسار الثورة ماض بكم ومن دونكم، والمعاناة مستمرة دون كلماتكم!!
نعم، يا سادة.. نحن نحلم بالنصر رغم إجرام المجرمين وغدر الخائنين ومكر المخادعين، ونحلم بالنَّصر رغم ألم المعاناة، ورغم أن آلام المعاناة تمزقنا، وتكاد -مع سلوككم- تشل قدرتنا على التفكير.
ولكن نقول – ونحن خارج ميدان المواجهة أيضاً- يا من بلغت معاناتكم حداً لا يطاق، مهما فعلتم فأنتم المعذورون وليس الذين فقدوا الأمل وهم بعيدون، ولئن صبرتم فنعلم أن صبركم لم يسبق له مثيل.
يا أهلنا في قلب المعاناة.. لم يعد يوجد طريق نحو الوراء” فكلُّ خطوة في اتجاه التسليم، أو „نصف تسليم”-لو كان يوجد نصف تسليم- تأتي بمعاناة أشد وأدوم، وتؤخر يوم الخلاص عشرات السنين.
يا أهلَنا في قلب المُعاناة.. يجب أن يعلمَ القاصي من أهل وطنكم داخل حدوده وخارج حدوده، أن النصرَ القادمَ بإذن الله هو النَّصرُ الذي تصنعونه أنتم، بمعاناتكم التي يحاول العدو والصديق توظيفها سلاحاً، وتصنعونه أنتم، فأنتم من أنجبتم الثوار، واحتضنتم الثوار وناصرتم الثوار، وما زلتم تنتظرون النصر مع الثوار.
ويا أيها الثوار في ميادين المواجهة.. إن الواجب المفروض فوق كلّ واجبٍ سواه في هذه المرحلة توحيد كلمتكم، وتنسيق عملكم، وتطهير صفوفكم، وتلاقي قياداتكم، ومضاعفة ما تبذلون، والارتفاع بمستوى ما تصنعون، فلا تدعوا في مسار هذه الثورة ثغرة تحملون المسؤولية عنها أكثر من سواكم.
ويا أيها السياسيون.. سيّان بأيِّ اسم تظهرون، وتفاوضون أو تقاطعون، وتنجزون أو تخفقون.. لا يمكن أن تحققوا مكسباً لهذه الثورة وشعبها ووطنها إلا بمقدار ما تتصرفون وفق حقيقة لا يمكن أن تتبدل بعد اليوم:
إنّ كل مَنْ يخوضُ الآن في جدل حول هذا الشكل أو ذاك وتلك الجزئية أو تلك من مستقبل الوطن بعد تحريره، لا يمكن أن يغير شيئاً ممّا سيكون عليه هذا الوطن بعد التحرير، يوم ترتفع المعاناة عن الشعب رغم الاستبداد العاتي المجرم الهمجي، فيفرض الشعب إرادته وسيادة كلمته على كل من يحاول التحكم في صناعة قراره بشأن مستقبله.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث