الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / مع جنيف2 النظام مرتبك والمعارضة تتقدم

مع جنيف2 النظام مرتبك والمعارضة تتقدم

عمّار الأحمد
أظهر النظام مقداراً كبيراً من الارتباك في جنيف، منذ بدأ وليد المعلم كلمته إلى لحظة انتهاء الأسبوع الأول من التفاوض، فهو لم يستطع الدخول في أي مفاوضات تخص بنود جنيف الأول، وحاول جاهداً اللف والدوران، وتقديم أوراق عن مختلف المسائل، ولكنها رُفضت جميعاً، حيث أن وفد المعارضة كان محدِّداً استراتيجيته الماثلة في تطبيق بنود اتفاق جنيف، وهو ما أعلنه أحمد الجربا بكلمته الأولى.
انتهى الأسبوع الأول، وسيكون هناك موعد جديد بدءاً من 11 شباط الجاري ما لم تحدث وقائع ذات وزن تمنع ذلك، ولن يُسمح للنظام مرة ثانية باستبدال بنود جنيف، ومن المرجح أن يُغير الروس من موقفهم، حيث أن المعلم ووفده لم يتوقفا عن إطلاق الأكاذيب والخداع طيلة أيام جنيف، أي أنهما أدارا الظهر لكل من روسيا وأمريكا.
 الروس لن يصمتوا هذه المرة، فأوضاع النظام ليس جيدة، وأصبح من المستحيل أن يستعيد المناطق المحررة، وأصبحت الحرب في سوريا تهدّد المنطقة بأكملها، باللاجئين وبتفجُّر الوضع الكردي في تركيا وبإعادة إرسال الإرهابيين القادمين إلى سوريا من جديد، إضافة لتمدد إيراني عبر المليشيات الطائفية، قد تلعب دوراً مستقلاً عن النظام ذاته في مرحلة انهيار النظام، وبالتالي هناك ضرورة لهيئة انتقالية كاملة الصلاحيات.
منطقياً، ماذا ستربح روسيا من استمرار القتال ودعمها للنظام؟
 فهي عقدت عقوداً معه، ولكن لا يمكن تنفيذ أي منها دون اتفاق جنيف. إذا هناك مصلحة روسية بتحقيق مؤتمر جنيف، مؤتمر لا أسد فيه، أو أسد منزوع الصلاحيات ومعطاة للهيئة الانتقالية، فهو يختصر ليس النظام بل سوريا بما له من صلاحيات! 
المهم أن تحقق هذا الاتفاق ليس لمصلحة أمريكية؛ فأمريكا متفقة مع روسيا على دورها في سوريا، وبالتالي لا بد من جنيف لغاية المصالح الروسية بالتحديد. سيذهب الجربا في 4 شباط إلى روسيا بدعوة منها؛ وقد لوحظ غياب التصريحات الروسية خلال جنيف، وسُرب أن مفاوضات موازية كانت تجري أثناءه، وقيل أنّه من غير المسموح انسحاب المؤتمِرين في جنيف، وبالتالي هناك قضية تقول سيكون جنيف، ولن يكون 3 و4 و5 جنيف، كما يبدو. جنيف 3 هو استكمال وبفاصل زمني ضئيل أي هو جزء من 2، نقصد أن كافة تأزمات سورية تمنع تأجيل بدء المرحلة الانتقالية.
المعارضة التي فشلت في التنسيق بين تياراتها، بل وانقسمت، وتذررت قبل جنيف، سواء الائتلاف أو المجلس الوطني أو ما تبقى من هيئة التنسيق، وبغض النظر عن تصريحاتها البائسة، وهي كلها لعبت أسوأ الأدوار في الثورة، هي الآن أمام خيارين: إما التنسيق مجدداً قبل جنيف 3، والإقلاع عن اللعب في الوقت الضائع، فهي متورطة بالتبعية للدول الخارجية، وهي كالنظام أمرها ليس بيدها، والكل مجبَرون على التوافق مع الروس والأمريكان، وبالتالي يقع عليهم محاولة تقديم رؤية وبرنامج وجدول نشاطات عن كل ما سيجري في جنيف وعن مستقبل سوريا؛ هذا في حال أرادت أن تلعب سياسة وفق منطق المصالح، لا وفق المزاج والهوى وسواه، أو الاستمرار في صراعاتها “الديكية” منتظرة بانتهازية بالغة اتفاقات خاصة مع دول تتبع لها!. إذا هناك جنيف، وعلى تلك المعارضة أن تستفيد منه.
انتظر أفراد الشعب السوري كافة تحقّق جنيف، والبدء بمرحلة انتقالية تنهي الحرب والدمار والقتل والحصار والاعتقال، ومختلف أنواع المشكلات؛ ولكن جنيف لن يكون وفي حال تحققه أكثر من انتقالية في الصراع من الحرب وملحقاتها إلى الصراع السياسي–وهذا هام للغاية قطعاً-، وسيكون جنيف مرحلة جديدة لسلطة طبقية جديدة، تشبه تونس بالتحديد، حيث ديمقراطية ضعيفة، تناسب طبقة جديدة في الحكم، أي طبقة ناهبة تابعة؛ مهمتها وفق جنيف إكمال السيطرة الخارجية على سوريا، وضمن ذلك ستبدأ مرحلة إعادة الاعمار، وستتحكم بها الطبقة الحاكمة الجديدة، وستكون نتائجها إكمال نهب سوريا، ورهنها للبنوك الدولية أكثر فأكثر؛ وبالتالي عودة إلى الواقع، أي عودة إلى الثورة، ستستأنف الثورة لا محالة. 
الثورة الشعبية، والتي خبت بسبب الحرب، وأقصيت شعبياً، لا بد أن تستعاد، وستستعاد؛ فالطبقة القادمة للحكم، لن تغيّر من الواقع الفعلي شيئاً، والديمقراطية الضعيفة، ستتحقّق بسبب زخم الثورة الشعبية، ولكن ستصادرها الطبقة الجديدة، فلا أحد يستطيع إعادة الحكم  من جديد عبر الشمولية. 
الشعب له مصالحه وهي غير مصالح الطبقة الجديدة اللاحقة، ومصالح الشعب هي بتغيير واقعه بكل بساطة ووضوح، أي بتطوير الصناعة والزارعة وتأمين فرص عمل، وإعادة بناء البنية التحتية وتأمين المساكن للذين دمرت منازلهم، وعودة اللاجئين إلى منازلهم أو مناطقهم، وبديمقراطية تضمن حقوق المفقرين. كل هذا لا يمكن تحقيقه إلا في حال عاد الشعب إلى ثورته ونظم ذاته مباشرة، عبر نقابات واتحادات وهيئات ديمقراطية، بعيداً عن العائلية والطائفية ومختلف أنواع العصبيات، وما يضمن الاعتراف بتلك النقابات وسواها هي قوة الشعب بالتحديد عبر المظاهرات ومختلف أشكال الاحتجاج؛ نقصد من الخطأ، أن يركن السوريون كما المصريين أو التوانسة بعد ثوراتهم للحكومة القادمة، بل يفترض استئناف النشاط الاحتجاجي، وإجبار الحكومة القادمة على توسيع مجال الحريات العامة، ورفض كلِّ شكل من أشكال التقييد، وفرض سلطة المجالس المحلية كمجالس معبرة عن الشعب فعلاً.
 ما نريد قوله سيكون هناك جنيف، وستكون هناك مرحلة انتقالية، ولا بد من التحضير لما بعد جنيف.
جنيف 3 وفي حال تمسك النظام بعقليته الأمنية، واللف والدوران وفشل، سيكون هناك كما يبدو قرار ملزم من مجلس الأمن الدولي، وستكون هناك قوات دولية تفرض الحل فرضاً؛ هذا مرجح كما يبدو من خلال قراءة وقائع جنيف وربطها بالاتفاق الأساسي له؛ أي ستكون لدينا مرحلة معقدة للغاية، ويقع علينا مواجهتها بكل جرأة، حيث ستنهار أجزاء كبيرة من السلطة، وربما تتحيّن كتائب معينة استغلال هذا الشرط، وحينها سيكون هناك عنف كبير. ضد هذا الانفلات الممكن، يقع على الثوار، رفض كل أنواع الجهاديات التكفيرية، واعتبار القضاء اللاحق للمرحلة الانتقالية هو الوحيد المُخوّل في محاكمة كل من مارس القتل بحق السوريين. وهنا لا بد من إنهاء المحاكم الشرعية، التي انبثقت بسبب انسحاب مؤسسات الدولة وعدم قدرة المعارضة تعبئة الفراغ. إنهاء المحاكم الشرعية يُفترَض أن يكون جزءاً من النضال الحاصل الآن في سوريا، لمصلحة محاكم مدنية، وتابعة للمجالس المحلية، ورفض هيمنة أي كتيبة أو حزب سياسي أو جهة دينية ما عليها.
ملاحظة أخيرة هنا، بعد ثلاث سنوات من الثورة، يقع على الثوار أن ينهوا أي خطاب غير خطاب وطني جامع، خطاب ينقل سوريا، من التشتت واللغة الدينية المتشددة أو الطائفية كذلك إلى المواطنة والمساواة بين المواطنين؛ فالخطاب غير الوطني هو الوجه الثاني لخطاب السلطة، وبالتالي هناك ضرورة للإقرار بالمحاكم المدنية، وأن السلطة للشعب، وترحيل أي أفراد غير سوريين،  وتأهيل المجتمع لتسليم سلاح الكتائب، طبعاً في حال حصل تغير فعلي في قيادات الجيش والأمن الحالية، وتشكيل مختلف أشكال النقابات والاتحادات والهيئات الممثلة لمصالح الناس، ورفض كل قرار يأتي من السلطات الرئيسة ما لم يستجب لمصالح الناس فيما ذكرنا أعلاه.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *