عبد القادر عبد اللي
مع تشنُّج الأوضاع السياسية في تركيا يزداد تشنج السوريين المُقيمين واللاجئين بانتظار بارقة أمل تريحهم. لعل سماعهم المواقف التشبيحية التي تطلقها قيادات حزب الشعب الجمهوري ضد السوريين المعارضين، وزيارة رئيس هذا الحزب إلى سوريا قبل أكثر من عام، وظهور أن أحد المتهمين الرئيسيين في تفجير الريحانية هو قريب لمسؤول هذا الحزب في أنطاكيا هي الأسباب الرئيسة التي جعلت السوريين يتخوّفون من هذا الحزب وإمكانية أن يصل إلى السلطة، ويعيشون ما عاشه بعضهم في مصر. وقد بلغ بكثير من السوريين العلمانيين درجة يشتمون علمانية هذا الحزب لأنه يبرر مواقفه السياسية كلها بناء على موقف يدعي أنه علماني.
كانت سوريا مادة انتخابية في السياسة الداخلية التركية أيام انتخابات 2011 البرلمانية، وبما أن الأغلبية الحاكمة –أي حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أرضوغان- تدعمُ المعارضة السورية، فالمعارضة التركية –أي حزب الشعب الجمهوري- يتخذ موقفاً مناكفاً للأغلبية. وهذه من كلاسيكيات السياسة التركية التي لم يتم اختراقها إلا في حالات نادرة جداً.
التجاذب السياسي الحاصل في تركيا قسّمَ السوريين بين منحبكجية لأرضوغان ومنحبكجية لقلتشدار أوغلو. وهنا يجب التفريق بين التأييد السياسي والمنحبكجية السياسية التي هي اختراع سوري. فالتأييد السياسي حق لكل فرد، بل واجب في الدول الديمقراطية. ولكن المنحبكجية هي من بقايا الديكتاتوريات القروسطية ورثتها الشيوعية المُشوّهة والديكتاتوريات العسكرية.
تأثر الأتراك بتيار المنحبكجية، وامتدَّ هذا التأثيرُ إلى أنصار حزب الشعب الجمهوري، وصار أتباعه يمثلون منحبكجية النظام السوري. الملاحظة التي لابد منها أن هذا الحزب عضو في الاشتراكية الدولية التي لم تكن يوماً داعماً للأسد الأب أو الابن، واختلف حزب الشعب الجمهوري مع هذه الاشتراكية على الأسد، وكان الصوت الناشز الوحيد في هذا التنظيم العالمي.
ثمّة اختراقٌ وحيدٌ يُسجَّل للمجلس الوطني بداية تأسيسه، فقد زار جورج صبرا هذا الحزب، وأوجد نقطة تفاهم مشتركة معه تقول: “إن الأسد ديكتاتور، ويجب أن تنتهي الديكتاتورية في سوريا”. ولكن جورج صبرا أو المجلس الوطني مثله مثل السوريين جميعاً يعتقدون أن الحقَ حقٌ لا يحتاج إلى مُطالب لذلك لم يُتابع ذلك الخرق على أهميته، وكان يمكن للمعارضة السياسية أن تحيّد الموضوع السوري عن التجاذب السياسي الداخلي في تركيا، فهذا يهمُّ مائتي ألف لاجئ سوري وعدداً من المقيمين الرسميين في تركيا لم يصرح به حتى الآن أي إحصاء.
“صور التعذيب الممنهج” التي نشرتها وكالات الأنباء نقلاً عن وكالة الأناضول التركية أثارت جزءاً من الرأي العام التركي المؤيّد للأسد، خاصة أن الصور تم تدقيقها من قبل لجنة خبراء إنكليز. ويعتبر هذا خرقاً مهماً على أبواب جنيف 2. ويبدو أن نشر الصور في هذا التاريخ لَعِبُ لاعبٍ ماهر، ولم يكن مصادفة.
اجتمعت اللجنة التنفيذية لحزب الشعب الجمهوري برئاسة كمال قلتشدار أوغلو الذي كان يعتبر كثيرٌ من السوريين أن موقفه من الأسد طائفي في 24 كانون الثاني 2014، وأدلى نائبه أرضوغان طوبرق بتصريح يُعتبر الخرق الثاني على صعيد سياسة هذا الحزب خلال ثلاثة أعوام.
جاء في التصريح حول الصور المسربة: “إننا ندين هذه الوحشية، وباسم الإنسانية نرفضها. إن هذه الوحشية المرفوضة هي جريمة ضد الإنسانية. على الأسد باعتباره رئيس النظام أن يكشف هذا الأمر، وأن يقدم الحساب أمام شعبه وشعوب العالم. يجب أن تحلل لجنة تابعة للأمم المتحدة هذه الصور بعد أن أكدت صحتها لجنة إنكليزية، وعلى الأمم المتحدة أن تتخذ القرار المناسب على ضوء نتيجة التحليل. من المؤكد أن مؤتمر جنيف 2 سيتأثر. وسنتابع تطورات هذا الأمر عن كثب. يجب أن يُوقف الصراع في سورية بأقرب فرصة ممكنة…” وفي نهاية حديثه جاءت العبارة التالية لكي لا يبدو الحزب قد انعطف مائة وثمانين درجة: “الأطراف كلها مسؤولة عن العنف، ونحن ندين العنف كله.” على الرغم من تخفيف حدة التصريح أعلاه بهذه الجملة، يعتبر هذا التصريح انقلاباً جذرياً في سياسة هذا الحزب الموالية بشدة للأسد، ويمكن أن تكون هذه الجملة باباً موارباً من أجل العودة إلى الحضن الإيراني الدافئ.
هل وجد هذا الحزب الضحايا تحت التعذيب دليلاً جرمياً دامغاً يجعله لا يستطيع الدفاع عن الأسد، فأراد الخروج عن سياسة دعم الأسد بموقف أخلاقي؟ لا أحد يؤمن أن السياسة والأخلاق يمكن أن يتواجدا معاً. هذا الحزب انضم إلى روسيا وإيران والنظام السوري باتهام المعارضة بقتل نفسها بالسلاح الكيماوي من أجل تشويه صورة الأسد! هذا يعني أنه ثمة تغيير في موقف هذا الحزب. هل هو موقف تكتيكي من أجل كسب أصوات بعض الجماعات الدينية في الانتخابات المحلية التي احتدت دعايتها منذ الآن؟ هل تلقّى إشارات واضحة من المجتمع الدولي تقول إن عصر الأسد قد انتهى، وأراد أن يخرج بأقل الخسائر، لذلك أعلن انشقاقه عن التحالف الإيراني؟ كل الاحتمالات واردة…
السؤال الأهمُّ: أين المعارضة السورية من هذا الموقف؟ ها هو حزب الشعب الجمهوري يمدُّ يدَه لكم –أو يقول أنا تركت يد الأسد- فهل ستردها المعارضة السورية؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث