ليليا نحاس
واقع معيشي جديد يرسم ملامِحُه في شوارع حلبَ وأزقتها، سرعان ما يكتشف أي زائر تغير المشهد في شوارع حلب.
معظم شوارع المدينة فقدت أناقتها ومعظم أحيائها الراقية تغلغل فيها طابع الأسواق، تشغل أحياء حلب الواقعة تحت سيطرة النظام كثافة سكانية عالية، صاحَبَ هذه الكثافة نسبة عالية من العاطلين عن العمل ممّن تضررت أعمالهم السابقة، وتكبدوا خسائر مادية كبيرة ضريبةً للحرب الدائرة في المدينة، مع ازدياد أعداد الناس ازدادت الحاجة في الأسواق خصوصاً للمواد الغذائية والحاجيات المعيشية اليومية، فافترشت شوارع حلب وأرصفتها بالبائعين و بضائعهم، تتنوع البضائع بين الخضروات والفواكه والخبز والأجبان ومختلف المأكولات.
هناك أيضاً الحاجيات المنزلية من الأدوات الكهربائية والبطاريات والشموع والمصابيح التي تشهد إقبالاً كبيراً بسبب انقطاع التيار الكهربائي شبه المتواصل عن المدينة حتى أصبح الناس يعتمدون على هذا النوع من الوسائل للحصول على الطاقة الكهربائية، بعض التجار يعرضون ألبسة وأحذية لمختلف الأعمار معلقة على الحيطان في الشوارع العامة، وتلقى ألبسة ال(بالة) المستعملة رواجاً كبيراً بسبب انخفاض أسعارها عن الألبسة الوطنية وضيق الحالة الاقتصادية التي يعاني منها المواطنون.
بعض الباعة يبيع المحروقات من البنزين والمازوت للسيارات العامة والخاصة ومولدات الكهرباء الصغيرة، وقد اشتدت الحاجة لهذه المواد بسبب صعوبة الحصول على هذه المحروقات من محطات الوقود بسبب الازدحام الشديد حيث يتطلب الأمر انتظاراً لساعات طويلة للتعبئة منها.
معاناة البائعين في الشتاء
رغم أنَّ البيعَ على الرصيف كان فرصةً للكثير من العاطلين عن العمل والمتضررين لكسب الرزق، إلا أن البيع في الهواء الطلق عمل شاق، ويتطلبُ جهداً كبيراً وقدرة على التحمل، يتحمل البائعون الذين يقفون في العراء مختلف الأحوال الجوية.
فهم يقفون في ظل برد قارس لساعات طويلة من النهار، وهطول الأمطار مشكلة كبيرة بالنسبة لهم يقول عبدو وهو بائع ألبسة “نضطر في اليوم الواحد إلى لمِّ البضائع وفتحها عدة مرات خوفاً من أن تتلف أو تتسخ من الأمطار، عدا أني كل يوم ألمُّها وأحملُها مع أولادي إلى المنزل لنعود، ونحملها إلى الشارع في الصباح التالي، مع هذا ليس هناك مردود مالي عالٍ.
وتمر أيام كثيرة دون أبيع أي شيء، كان لدي محل تجاري لكنه سُوِّي بالأرض نتيجة القصف ولم يبق لي سوى هذه البضائع التي كنت أحتفظ فيها في مستودع المنزل، صحيح أنني أستطيع تدبُّر طعام عائلتي، الآن لكن لا يمكن أن يكون هذا العمل دائماً، فلم أعد صغيراً بالسن، ولن يستطيع جسدي بعد عدة سنوات تحمُّل عناء البيع في العراء”.
أسعارٌ تنافسُ بضائعَ المحلات التجارية
أصبحت بضائع الأرصفة الوجهة الأولى للمشترين بسبب وجود فرق واضح بينها وبين البضائع المتواجدة في المحلات التجارية، فهي أوفر مادياً ومماثلة من حيث النوعية والتوافر، ويعود هذا الفارق في السعر الى انخفاض التكلفة على بائع الطريق بسبب عدم اضطراره لدفع آجار المحلات التجارية ما يسمح له ببيع بضائعه بسعر أقل والحصول على هامش ربح مشابه لتجار المحلات، تقول أم أحمد “أصبحت أشتري معظم حاجياتي من البسطات على الأرصفة فهي أوفر مادياً، ويتوافر في الشارع الذي أسكن فيه جميع ما أحتاج، فلا حاجة لي الآن للنزول إلى الأسواق ودفع تكاليف مواصلات إضافية”
أحياءُ المدينة يملؤها الضجيجُ
انتشار الأسواق وتغلغلها في جميع الأحياء أدّى الى حالة غليان دائمة تعم معظم الشوارع طيلة ساعات النهار، ومن الصعب اليوم أن تجد مسكناً بعيداً عن ضجيج المدينة، ينتج الضجيج عن أصوات السيارات التي تعاني المرور في شوارع مكتظة بالناس، ينتج أيضاً عن أصوات المولّدات الكهربائية التي تعمل لساعات طويلة بسبب انقطاع الكهرباء.
يترافق الضجيج مع أصوات البائعين التي تصدح لترويج ما يبيعونه لجلب عدد أكبر من الزبائن، يضعف نبض المدينة مع حلول الظلام، فيحمل البائعون أرزاقهم عائدين إلى بيوتهم وتنعدم الحياة بشكل تام خلال ساعات الليل المعتمة الخاوية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث