زافين إسماعيل
بعد أكثر من عامين قاسيين على حياة السوريين طيلة عقود وعقود، حيث لم يألفوا في تاريخهم قسوة بهذه الفظاعة، ولا موتاً وقتلاً وذبحاً بهذه السهولة، بعد كل هذي الليالي الظلماء في حياة السوريين حيث لم يشهدوا مثيلاً ولا شاهداً لها، ولم يصدّقوا أن كل هذا الحقد والغل سيصب عليهم بكل هذه التوحش، وكل هذه الأعصاب التي يعرف النوم طريقه إلى عيونهم في ليالي سوريا الحزينة، سوريا الباكية على فقد أحبابها وخلانها، وعصافيرها كل دقيقة صعبة من عمر سوريا..
بعد أكثر من شهقتين توقع الجميع أن قلب سوريا واهن وضعيف بفعل غي الاستبداد، وغل الظلم الذي طال، واستطال حتى كسا كل منزل في أبعد قرية سورية، فكيف الحال بمراكز المدن، وكيف الحال بالسجون المركزية المدنية؟؟ وكيف الحال بالأفرع التي ما دخلها شخص إلا ذكرى إنسان، إلا طيف إنسان؟؟ وكيف الحال بكل تلك الهستيريا التي رافقت عمليات التمجيد والتعظيم والتأليه إلى حد أن السوري كان يسير في الشارع، وقلبه يخفق خوفاً على طارئ، وأعصابه منفلتة العقال على آخرها، فثمة ما يخيف في كل ثانية، ثمة ما يضع السوري في غياهب الظلمة في لحظة.
لهذا تولّد في شوارع سوريا وفي زواريبها المعتمة غالباً شعور بالأسى عميق، وشعور بالدونية والخوف من المجهول أعمق وأعمق.. الخوف حتى من حفيف ورقة منطرحة في قارعة الطريق، الخوف من بائع اليانصيب، والخوف من صاحب المقهى، ومن صاحب المكتبة، ومن الأستاذ في الجامعة، ومن الزملاء، في العمل والسوق والمتجر، الخوف من الأهل والحبيبة، والزوجة، وباقي العائلة، الخوف من الله في حالة عدم القيام بالواجب من واجبات الإيمان، والخوف منه رغم كل السيرة العطرة والحسنة، الخوف من الخوف دونما سبب مقنع.
وقد نجح النظام بقصد مكوثه على صدور السوريين لعقود وربما إلى حالة التأبيد التي استولت على كل فكره وعقله و” منطلقاته النظرية” لفترة طويلة في تدجين السوري، واستمات بكل ما أوتي من عقلية استخباراتية، ومستفيداً من خبرات كل الدول المارقة التي كان تنظر للإنسان بوصفه حيواناً يستوجب التحقير والتعفير، وكانت ترى أن الناس لا تستوي أمورها ، ولا تعلن طاعتها العمياء للحاكم إلا إذا جردت من كل إنسانيتها وعفتها، وصارت شيئاً فائضاً من الأشياء
باختصار كان خوفاً من الذات السورية في تشيُّئها المر على مرّ كل هذه العقود من المذلة والمهانة التي نالت من شخصية السوري وكرامته،..
لكن رغم ذلك، رغم ذلك الحريق الطويل، والعويل الأطول، بات من الواضح للسوريين، ولجميع من يهمه أو لا يهمه وحاضر ومستقبل سوريا أن هذه الثورة العظيمة ورغم ما اعترى طريقها وسبيلها بعض الألم والأشنيات، والكثير الذين ركبوا ظهرها في غفلة منها بتبني شعاراتها و” حلبها” بقصد تخريبها لكنّ نهرَها جار.ٍ جار..
ثورة السوريين يتيمة، والكل ينظر إليها بعين النفاق والمتاجرة بأرواح السوريين التي تهرق على مذبح الحرية والخلاص كل يوم، وكل دقيقة.
ما خطه أصابع تلاميذ درعا المحطة ودرعا البلد، لم يكن بإيعاز من أحد، ولم يكن مؤامرة كونية شاركت فيها جهات ودول ومنظمات عابرة للقارات كي تسقط ثقافة الممانعة والمقاومة الوحيدة في المنطقة..
الثورة مستمرة رغم كل ألاعيب ومصالح الدول” الصديقة والعدوة” التاريخ يعلمنا هذا الدرس البليغ، ولو كان اعتماد السوريين على بيانات الشجب والاستنكار والتأسف والحسرة الدولية فقط، لانتصروا منذ الشهر الأول من معركة خلاصهم..
لا قصة الكيماوي، ولا تراجع المتحمسين، ولا الضربة التي لن تأتي، تهمّ أولئك الأسطوريين الذين لا بوصلة إلى مرافئ الخلاص غير عطر دمائهم.
omarkojari@gmail.com
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث