الرئيسية / منوعات / منوع / حصار الجوع

حصار الجوع

*صبر درويش
تدفعُ الحربُ الدائرة في سوريا والحصار المرافق لها الكثير من المدن المحاصرة إلى تقديم تنازلات أليمة بتوقيع هدنة مع نظام الأسد، في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة المدنيين، والتي أكدت كلُّ التقارير الدولية والمحلية أن الأوضاعَ الإنسانيةَ في المدن المحاصرة تجاوز مرحلة الخطر ليصحَّ تصنيفُه بالوضع الكارثي.
وعلى الرغم من كلّ التنازلات المقدّمة في هذا الصدد، إلا أن النتيجة في أغلب الحالات كانت تنصل نظام الأسد من الالتزام ببنود أية هدنة وقعت معه وذلك على الرغم من الضمانات التي قدمتها بعض الأطراف الداخلة في الوساطة بينه وبين الناشطين.
في مخيم اليرموك سعى الناشطون إلى توقيع هدنة مع نظام الأسد قبل عدة أشهر، تقضي بإخلاء المخيم من المظاهر المسلحة، مقابل السماح لسكان المخيم الذين كانوا قد نزحوا بالعودة إلى بيوتهم، والسماح للمنظمات الإغاثية بإدخال المواد الغذائية والطبية إلى المخيم؛ وعلى الرغم من تقيد الناشطين في المخيم ببنود الاتفاق إلا أن النظام تنصَّلَ منه، وازداد وضع المخيم سوءاً مع تشديد الحصار عليه حتى بات شهداء الجوع يعدون بالعشرات بين أطفال ونساء وشيوخ. 
وفي هذا الوقت الذي سعت فيه جهات عدة فلسطينية ودولية، من أجل إدخال شاحنات تحمل مواد غذائية إلى داخل المخيم وبرعاية منظمة الهلال الأحمر الدولية، فإن عرقلة هذه الجهود تشير بأصابع الاتهام إلى قوات الأسد تحديداً، فقد أفاد الناشط عبد الله من مخيم اليرموك عبر شريط مصور، إلى أنه تم الاتفاق على إدخال 600 سلة غذائية على أن يقوم الهلال الأحمر بإدخالها وتسليمها إلى الناشطين داخل المخيم، والذي حدث أنه وبعد أن دخلت هذه القافلة تعرضت لإطلاق نار من قوات الأسد، مما اضطرها إلى الخروج قبل تسليم الشحنة.
 وفي اتصال مع أحد الناشطين من مخيم اليرموك قال: “وردتنا أنباء حول تجمهر عدد من أنصار نظام الأسد بالقرب من حي الزاهرة والتضامن، حيث رفعوا شعارات ترفض إدخال المساعدات إلى داخل المخيم، وذلك بحجة أن هذه المساعدات ستذهب إلى الإرهابيين!”. 
في معضمية الشام والتي تقع على مقربة من مخيّم اليرموك جنوب غرب العاصمة دمشق، سعى نشطاء المدينة إلى توقيع هدنة مع النظام، والتي اشترطت رفع علم النظام على أعلى نقطة في المدينة لثلاثة أيام، مقابل إدخال شحنات الإغاثة إلى المدينة، والسماح للمدنيين الذين يودون الخروج من المدينة بالخروج الآمن منها. الذي حدث كان أنه تمَّ اعتقال كلِّ الذكور فوق سن العاشرة من المدنيين الذين قبلوا الخروج، بينما سيقت العائلات من نساء وأطفال إلى ما يشبه المعسكر حيث وضعوا بالإقامة الجبرية في إحدى المدارس.
وفي أثناء توقيع الهدنة تعرّضتِ المدينةُ لقصفٍ شديد، ومحاولة قوات الأسد التسلُّل إلى المدينة بغية السيطرة عليها؛ وفي نهاية المطاف سمحت قوات الأسد بعد أن رفع الناشطون علمه على إحدى المناطق بإدخال شحنات إغاثية تكاد لا تسدُّ الرمق على ما أورد ناشطون من المعضمية.
وفي هذا الوقت الذي تثبت فيه كل ممارسات النظام عن نقضه إلى أية وعود أو عهود، قام المجلس المحلي في حي برزة الدمشقي الواقع شمال شرق العاصمة دمشق على تخوم حي القابون، بتوقيع هدنة مع نظام الأسد، وتقتضي:  “بوقف اطلاق النار بين الطرفين، انسحاب قوات النظام من كل أراضي برزة، تنظيف الطرقات تمهيداً لفتحها للمدنيين، إطلاق سراح المعتقلين من سجون النظام، جعل المراكز التي تم تحويلها الى ثكنات عسكرية مراكز مدنية لا وجود للجيش فيها، إعادة الخدمات إلى الحي وإصلاح البنى التحتية تمهيداً لعودة المدنيين، فتح الطرقات الرئيسية في الحيِّ مع وضع حواجز على الشارع العام، السماح بعودة الأهالي بعد إصلاح الخدمات”. وحتى اللحظة ورغم مرور عدة أيام على توقيع الهدنة إلا أنه لم ترد أنباء عن أي تغير ملموس على الأرض، بينما قوات الأسد ماتزال محاصرة للحي من كلِّ مداخله.
تشير كل الملاحظات السابقة إلى أن نظام الأسد لم يكن ولن يكون جهةً يُعتدُّ بمواثيقها وعهودها، وهي تجربة وعلى الرغم من تكرارها، إلا أنها لم تدفع بالناشطين بعد إلى الاقتناع بأن هذه التنازلات المؤلمة التي يقدمون عليها لن تفضي إلى عقد أية صفقة مع نظام استسهل منذ البداية قتل الجميع بدون استثناء، وأن هذا النظام ذاته هو من فرض الحصار على المدن السورية، ومنع منذ بداية العام الماضي شحنات الهلال الأحمر من الدخول إلى المدن المحاصرة، وأن الحصار يندرج في إطار استراتيجية ينتهجها النظام كي يركع الثوار وحتى غير الثوار في المدن المنتفضة؛ وعلى قاعدة ذلك يصبح من الوهم التعويل على تحصيل أي مكتسب عبر عقد صفقة ومن أيِّ نوع مع نظام بات يدرك تماماً أن المنظمات الدولية غضت، وتغضُّ النظر وعلى طول الخط، حيال جرائم ترتكب من الصعب وصفها ووصف صمت هذه المنظمات التي أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه صمت عاهر.
في الحقيقة لا يمكن لأحد أن يلقي باللائمة على النشطاء الذين يسعون إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة المدنيين، فهم على الرغم من إدراكهم لطبيعة النظام الذي يحاربونه إلا أنهم مجبرون على تكرار التجربة حتى ولو فشلت ألف مرة بعد. بينما السؤال الذي يطرح دائماً/ ما هو بالضبط دور التشكيلات العسكرية التابعة للمعارضة في فك هذا الحصار؟ وهذه الجيوش التي يجري الإعلان عن تشكيلها في كلِّ لحظة، ما هو دورها بالضبط وما طبيعة مهامها؟ هذا ما يتساءله من رفع الشعار: تحيةً للجيش الحر.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *