رامي العلي – الرقة
ما جرى في محافظة الرَّقَّة ككل، ألقى بظلاله على واقع ميداني وسياسي، وفتح باباً للتأويلات والتحليلات، استطلعت “صدى الشام” آراء عدد من الناشطين والفاعلين على أرض الميدان بالرقة في محاولة لفهم طبيعية ما جرى، وتقييم كلٍّ منهم للواقع الحالي، ومستقبل المحافظة.
أكثر من نصف الناشطين المستطلعة آراءهم عزوا ما حدث في الرقة إلى تحضيرات الوضع الميداني لمؤتمر السلام حول سوريا (جنيف2) المزمع عقده في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، ومنهم مَن أكدّ أن ما حدث هو ناتج عن الانتهاكات التي قام بها تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام /داعش/ ضد المدنيين والفصائل المسلحة على حد سواء.
تحركات دولية بأسباب محلية!!
يرى الناشط في المجتمع المدني محمّد الشعيب -الذي فضّل البقاء في الرقة على مغادرتها- أن ما جرى في الرقة خلال الأسبوعين الماضيين ما هو إلا تحضيرات دولية لعقد مؤتمر جنيف2 متمثلاً بالجبهة الإسلامية التي تسعى جاهدة لتقوية موقفها التفاوضي، فهي وبحسب الشعيب أضعفت موقفَ النظام، وتسببت له بأزمة سياسية كبيرة بعد سحبها للقب محاربة الإرهاب منه، ناقلةً إياها إلى طرف المعارضة، حيث كان النظام يعدُّ ملفاً كاملاً عن الرقة بوصفها نموذج إدارة المعارضة أفشلته الجبهة، لكن الأخيرة تهدف من إعلانها الحرب على تنظيم “داعش” ليس بغية الخلاص منه، بل لتحقيق مكسبها السياسي، فهي تسعى لتكوين كيان شبيه بحماس الفلسطينية أو حزب الله في لبنان ليحقق مصالحَ فئة معيّنة من الناس، واصفاً المعركة التي بدأتها “حركة أحرار الشام” الممثلة الجبهة الإسلامية في المنطقة بأنها “مسرحية لجر الدعم (قوات تنظيم داعش) من مناطق مختلفة للتخفيف عن تلك المناطق”، فاتحة الباب أمام تقسيم النفوذ السلفي في الشمال السوري، وهي بذلك ورّطت رعاياها المحليين، وجعلتهم فريسة وقرباناً لخدمة مصالح الحركة السياسية.
وهو ما يوافقه عليه الناشط عبد القادر الهويدي المقيم في تركيا، والذي يقول إنه لا يمكن تسمية ما جرى على الأرض إلا بصراع على السلطة والنفوذ لتنفذ أجندات سياسية يدفع ثمنها المدنيون العُزَّل، ويربط بين هذه الأجندات وسياسات الدول المانحة التي تقدّم الدعمَ الماليَّ للكتائب الإسلامية أي السعودية وقطر، وبين علاقة نظام الأسد وارتباطه بشكل أو بآخر بتنظيم “داعش” والذي يبرر بذلك سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها منذ بروز التنظيم في المناطق المحررة كي يستخدمه كورقة ضغط على المجتمع الدولي والمعارضة السورية لتحقيق مكاسب سياسية في مؤتمر جنيف2.
في حين يربط الناشط جيمي شاهنيان بين السياسة والميدان، فيقول: “الفكرة الرئيسية من تحرُّك الجبهة الإسلامية وجبهة النصرة وباقي الفصائل هو الضغط الداخلي والواقع السياسي، لكن ما حدث في الرقة بشكل حرفي هو تقاسم مناطق جغرافية بكلِّ بساطة”.
“السبب برأيي هو أن بدْءَ المعارك بريف حلب ضد داعش، شجّع الفصائل المقاتلة بالرقة على أن تعلن الحرب عليهم” هكذا يبدأ ميزر مطر المصور الصحفي الحديث عن ما يعتقد أنه سبب ما جرى في الرقة، مضيفاً أن جبهة النصرة وأحرار الشام عانوا من اعتقالات لعناصرهم في المحافظة من التنظيم وحتى أمير النصرة بنفسه مختطف لدى “داعش”.
في الوقت الذي يعتبر فيه الطبيب الميداني محمّد الرشيد أن ما حدث في الرقة هو “عبارة عن أوامر أتت من المجتمع الدولي وأموال صرفت عن طريق عملائه على الأرض لإضعاف صفوف المجاهدين وتشتيت أهدافهم لعدة أسباب معروفة لدى الجميع”، ويتابع أن الوضع الميداني في الرقة لا ينفصل عمَّا يجري في حلب والأنبار بالعراق، فالمشكلة بحسب هذا الطبيب هي إقليمية دولية ضد تنظيم إسلامي عبر رصد الأموال وشراء الذمم وتجييش الإعلام”.
جبهة النصرة و”داعش”
يتابع الرشيد أن ما يثير الجدل هو أن الأمير العام لجبهة النصرة في سوريا أبو محمدّ الجولاني تحدث في بيان صوتي له، واعتبر أن ما يحدث من معارك في سوريا بين تنظيم “داعش” من جهة و”الجبهة الإسلامية وكتائب الثوار” من جهة أخرى هو فتنة وأمر باجتنابها، لكنَّ جبهةَ النصرة في الرقة لم تلتزم بهذا البيان، بل على العكس هي من خططت، وبدأت بالهجوم، حيث أن الجبهة الإسلامية المتمثلة بحركة أحرار الشام لم تشارك بكل قوتها في المعارك الدائرة في الرقة ضد “داعش”، وهو ما يرد عليه محمّد الشعيب بالقول إن سبب مشاركة “النصرة” في المعارك بفعالية لأن مكونها الأساسي في الرقة هو كتائب محلية بايعت “الجبهة” بهدف الحماية، وليس بهدف إيديولوجي، ويضيف بأنها وقعت ضحية لعبة “قذرة” من الجبهة الإسلامية حيث استنزفت قوات اللواء الذي كان غريمها الأول سابقاً، بدعايات إعلامية عن وصول تعزيزات للواء التوحيد، وعناصر لواء ثوار الرقة حاربوا بدون ذخيرة.
بعد الاشتباكات!!
“في كلِّ الحروب المحلية المعتمدة على دعم خارجي، لن يكون هنالك رابح أو خاسر، فالأطراف الداعمة لا تسعى لانتصار ساحق لأحد الأطراف كي لا يتمرد” يتابع الشعيب، فيما يبدي عبد القادر الهويدي رأيه في الموضوع قائلاً “في حرب بالوكالة كالتي تشهدها الرقة حالياً لن تكون الحلول كما يتصوَّرُها البعض رومانسية حالمة، فهنا لا تحكم المعركة إرادة وشراسة المقاتلين كما يعتقد البعض خصوصاً في ظل دعم عسكري وسياسي غير مباشر من نظام الأسد لداعش وكيفية واستمرارية الدعم الخليجي والأمريكي لباقي الكتائب الإسلامية.
فمصادر دعم الكتائب الإسلامية أي قطر والسعودية ليست في صراع سياسي مع نظام بشار الأسد فقط بل تخوض معركة سياسية بينها لتقاسم الكعكة في الملف السوري، لذلك لا يمكن أن يكون الحل داخلي عسكرياً فقط، بل أن نتائج حسم صراع القوى الإقليمية والدولية فيما بينها وصراعها مع النظام جزء أساسي في تعقيد أو حل هذه المعركة”.
يقول الهويدي إنه من آثار الصراع السياسي والعسكري في الرقة هو تدمير ما تبقَّى من البنية التحتية للمدينة، إضافة لحالة التفكك والمناحرات الاجتماعية نتيجة الولاءات المتخالفة للأطراف العسكرية المتصارعة.
في وقت يلاحظ فيه أبو محمد وهو طبيب عمل في المشافي الميداني منذ بدء الثورة أن الخطر المحدق بالرقة هو من النظام وحده عبر الأرتال العسكرية التي قد يرسلها لاستعادة المدينة التي فقد السيطرة عليها في آذار/مارس الماضي، يوافقه في الرأي زميله محمّد الرشيد الذي يضيف إلى جانب احتمال قصف النظام للمدنيين في المدينة، خشيته على مدينته من هجوم دولي “شرس” كونها باتت مركزاً أساسياً لتنظيم “داعش” من حيث السيطرة والقوة العسكرية، وهو بالذات ما دعا ميزر مطر إلى التوقع بألاً يعود الاستقرار في المدينة، فالحرب ستطول وإذا توقفت لفترة فإنها ستعود من جديد بحسب رأيه.
المدنيون وثقافة البندقية!!
سيعاني كثيراً المدنيون من ضعف في الأمن والسيارات المفخخة وانقطاع طرق التجارة وموارد الحياة الأساسية، كما يقول الطبيب أبو محمّد، ولن يتبقى لهم إلا العمل في مجالات محدودة كالعمل الإعلامي والتوعوي كما يتابع جيمي شاهنيان، خاصة بعد ما قام به التنظيم من سياسة تجاه المدنيين من خلال تعيين مجالس محلية تابعة له وإنهاء أي عمل مدني قائم.
فيما يقول الهويدي إنه وبعد انتهاء الصراع ستظهر بعض التحركات المدنية المقاومة لأي مشروع يخالف مبادئ الثورة، لكنه لا يشعر بتفاؤل كبير بأي نشاط مدني أو حراك سياسي شعبي محتمل وإن فوضى السلاح والسلطة المتطرفة القمعية ستقاوم، وستعمد لتفشيل أي نشاط يعارض أجندتها وسياساتها.
بينما يعود الطبيب الرشيد ليقول “بالنسبة لي فقد أخطأت التنظيمات المتواجدة في الرقة كافة بشكل أو بآخر في التعامل مع المدنيين”.
وختم حديثه بالقول إن الجهاز الأمني لتنظيم “داعش” سيكون على جهوزية عالية لصدِّ أيِّ تنظيم سرِّي داخلي سواء شارك في المعارك السابقة أو سيخطط لمعارك قادمة ضدها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث