الرئيسية / منوعات / منوع / مراجعة مع العام الجديد

مراجعة مع العام الجديد

مع بداية العام الجديد، وقرب اكتمال العام الثالث من ثورتنا السورية، أجد أن واجب المراجعة والتقويم يجب أن يسبق أي واجب آخر، وهو إن كان واجباً مطلوباً باستمرار، فقد أصبح اليوم شديد الإلحاح في ظل الصعاب والآلام التي يواجهُها شعبنا من جهة ، والمخاطر التي تتعرض لها ثورتنا من جهة أخرى!.
 ففي هذه المراجعة كما أرى، يمكن أن تكمن بعض ضمانات استمرار الثورة ونجاحها ، بعد أن طفا الكثير من الزَّبَد على سطحها، وأوشكت أن تأخذنا إلى مسار آخر، يختلف عن المسار الذي قامت من أجله، وحددت أهدافه المشاركة الواسعة لجماهير شعبنا في مرحلتها السلمية . 
وإذا لم يكن هناك شكٌّ بدور كبير وفاعل للنظام في إدارة المسار المذكور، وهو الذي عمل منذ اليوم الأول على اتهام ثورتنا بالإرهاب كي يستفيد من الاصطفاف العالمي ضده ، موظفاً كلَّ مهارات مخابراته وإعلامه في ذلك، وهي  الأكثر تقدماً وتحديثاً في مجمل بنيته المتخلفة عموما !. أقول إذا لم يكن هناك شك في ذلك الدورالفاعل والمنظم والذكي للنظام، فعلينا أن نقر بدورٍ آخرَ لعوامل كامنة في بنية مجتمعنا وطبيعة ثورتنا أيضاً. 
من ذلك أن علاقات المواطنة وقيم العقد الدستوري لم تكن قد ترسخت في مجتمعنا بخاصة في ظل أنظمة الانقلابات العسكرية التي توَّجَها انقلابا البعث وحركة 16 تشرين ، وهي انقلابات لجأت إلى استثمار العصبيات المجتمعية بديلاً عن شرعيتها المفقودة ، فكان من أبرز نتائجها تقوية تلك العصبيات وشيوع مفاهيم غير سياسية عن الأكثرية والأقليات والمكونات .
 وهو أمر كان لابد له من أن يمتد تأثيره  بفعالية وشدة إلى ثورتنا في إطار العفوية التي طبعت مظاهرات شبابنا واحتجاجاتهم في بداية الاحتجاجات، حيث لم يكن ممكناً ظهورُ تعبيرات أكثر تنظيماً ونضجاً في ظل الغياب المعروف لكلٍّ من مجالَيْ السياسة والمجتمع المدني في بلادنا. 
ورغم أن هذه العفوية كانت فرصة إيجابية لظهور تعبيرات ومشاركات جماهيرية مبدعة أبرزت شعارات الحرية والكرامة والوحدة الوطنية، لكن ترافقها مع عصبيات مجتمعية مهمشة وكامنة ، كشف عن جانب آخر سلبي لها، تمثّل  في ضعف الوعي التاريخي والقيادة المجربة، وهما اللذان كان من المفترض بهما لو توفرا أن يرتفعا بالممارسة الميدانية الثورية، ويُتيحا لها استشراف الآفاق وإنارة ظلمات الطريق.  
لذا كان من المُحتَّم أن تندفع  قوى الثورة بعفويتها تلك، وتحت تأثير وحشية النظام وعنفه التدميري إلى الاحتماء الغريزي بالسلاح والتضامنات الاجتماعية العصبية ، فتابعت بذلك ظروف نشأتها كَرَدّ فعل أقصى على أفعال النظام، الذي كان قد بلغ في عنفه وبدوره حدوداً قصوى وغير مسبوقة في التاريخ!.
بذلك لم يغلق النظام أبواب البحث عن حلٍّ سياسيٍّ للمسألة السورية فحسب، وهو الأمر الذي رفضه منذ البداية فلجأ بشكل سافر إلى الحل الأمني والعسكري، بل فتح الباب واسعاً وحصراً أمام نشوء ردّ فعل وحيد، أزعم  أنه يشبهه وعلى منواله على الرغم من ظهوره كنقيض له !. 
 فمن جهة أولى، هو ردُّ فعل اضطر بعد أشهر طويلة من نضال سلمي أثخنته الجراح إلى اللجوء لسلاح المقاومة الشعبية ضد سلاح جيش ونظام أخطبوطي الأجهزة والتحالفات،  فظهر سلاحاً شعبياً بدائياً وفردياً وسرعان ما تورّط  بالارتهان إلى صراعات اقليمية ودولية تلاعبت بدعمه المحدود والمتقلب، ضد سلاح نظام وجيش وأجهزة مدعومة بتحالف استراتيجي غير محدود!. 
 ومن جهة ثانية ، بدأ يطغى على رد الفعل هذا طابع تحوله إلى استبداد ضد استبداد، استبداد يحاول ادّعاء حاكمية دينية تمنحه القدرة على جلب دعم وتجييش عصبيات تقليدية اتخذت أشكالاً وتسميات مختلفة، ضد استبداد عائلي عصابي طالما استفاد من هواجس ومخاوف تقليدية كامنة، فجيّشها تحت ادعاءات وأسماء مختلفة أيضاً!. 
من هنا، أجد أن علينا نقد أية ظاهرة في الثورة ترتبط بادعاء الحاكمية أو بأولوية السلاح، فهما ظاهرتان استبداديتان بطبيعتهما، تتجاوزان نشأة الثورة ضد الاستبداد، وكلُّ استبداد بالضرورة، و لا تعترفان بالشراكة التي نشأا في إطارها، والتي قامت على توحيد مُكوّنات الشّعب السّوري وطمأنتها إلى مستقبل التغيير.
وبخاصة، فليتذكر حاملو السلاح من ثوارنا ، أبطال التصدي للنظام المجرم، أنهم شركاء لأهلنا، ولم يحملوا السلاح إلا من أجل الدفاع عنهم ، بدؤوا من أجل حماية مظاهراتهم، وسيعودون معهم إلى حياتهم المدنية، وهي حياة اغتنت نشاطاتهم وآلامهم وصمودهم العظيم كل هذه السنوات ، وليس لهم أن يصبحوا بديلاً عنهم وعن إرادتهم في النهاية.
بذلك، يمكن أن نتابع الوفاء لتضحيات شعبنا، ولمعتقلينا، ولاجئينا، وبخاصة للشهداء من أخوتنا وأبناء شعبنا في كلّ مكان من بلدنا ،  أولئك الذين عبدوا طريق المستقبل، طريق سورية الحرة، التي يبدو أن من المقدّر لها أن تولد بين الآلام ! 

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *