الرئيسية / منوعات / منوع / السّباحة في المُجرّد

السّباحة في المُجرّد

طبيب وباحث سوري
هناك سؤالٌ مؤرّقٌ للمعرفة، ومغرِ في آن واحد، سأستعيره من عزيز إسماعيل:
هل كان شِعرُ جلال الدّين الرومي ( أو أي حالة معرفيّة أخرى) كامناً في اللّغة حتى أخرجه الرُّوميّ أم أنّه كان في ذهن الرُّوميّ؟
 ومع هذا السؤال جاء مصطلح ( المدلول الخارق) لـ جاك دريدا، وهو المصطلح الذي يعني أنّ الدّال أو الاسم … ليس له مدلولٌ محدّد يمكن تعيينه، على سبيل المثال: الحريّة، العدالة…الخ، ولا يمكن إدراك هذا المصطلح (أو المدلول الخارق) إلّا ضمن سياق ثقافي ما أو خطابيّ معيّن.
بضم هاتين الإشارتين، بدأت بالسؤال – من خلال قراءتي لعدّة قضايا فلسفيّة- عن الفرق المعرفي الحقيقي – إن كان موجوداً – أو مسطّح المحايثة – تبعاً ل جيل دولوز – الذي نفترض أننا نجده في هذه القضايا.
على سبيل المثال: بما أن اللامعنى هو كلٌّ متجانسٌ، حيث تتجانس إلى درجة قريبة من التطابق قضية مثل: دائرة مربّعة و قضيّة أخرى مثل زهرة تعني زهرة.
أستطيع أن أقيس عليه أن المدلولَ الخارقَ متجانسٌ أيضاً، وهذا هو فرضي الذي يحتاج إلى بحث، أي أنّنا ندور حول عمود واحد ثابت: هو الفضاء المتجانس لهذا المدلول الخارق.
فمثلاً العديد من القضايا مثل: الأنا، الضمير، السعادة، اللّذة… تبدو أنّها تمتلك دلالات متباينة عن بعضها البعض، ولكن إذا وسعنا قليلاً مفهوم المدلول الخارق عن طريق دمجه بالسّؤال الذي ابتدأت به، من جهة، ومن جهةٍ أخرى إذا تابعنا الجدل الدائر حول فكرةٍ ما، مثل السعادة، سنجد نتيجةً واحدة – كما بدت لي – : لا يمكن الوصول إلى نتيجة حول السعادة وهذا أمرٌ واضح و بديهيّ جدّاً، ولكن سنضيف عليه سؤالاً: لماذا؟ ثم سنقترح جواباً أو عدّة أجوبة متلاحقة.
لنبدأ بمقولة تتكرّر كثيراً، اللّغة لم تصنع كي تزيد الأشياء وضوحاً، بل كي تزيد من غموضها، أو من حركيّتها.
 إذاً: بنيّة اللّغة بحدّ ذاتها هي بنيةُ غموضٍ. وطبعاً هي بنية تفترض التشكيل اللّانهائي. ولكن مع هذا التشكيل اللّانهائيّ يبدو أنّ الخيال بطريقة ما – مؤقّتة – يعتمد على الخداع عن طريق هذا التّشكيل اللّانهائيّ، أي أنّه يغيّر الشكل الممكن لجوهر ما إلى اللانهاية، أو يمكنني القول إنّ بنية اللّغة قد أدّت إلى هذا الخيال الذي يغيّر لونه دون أن يغيّر جوهره. لندعو هذا المقدمة 1.
عندما نتابع أيّة قضيّة ( مدلول خارق) سنجد كيف أنّ معالجتها تتميّز بشيئين مع مرور الفلاسفة. الأول: يبدأ علاجها باتجاه معيّن ثم يحدث اتجاه معاكس، ثم يأتي اتجاه يجمع بين الاتجاهين، وهذا معروف.
الثاني: إذا حللّنا حركيّتها، سنجد أنّه من الممكن تماماً أن نسأل السؤال التّالي: إذا نزعنا مثلاً من الأبحاث التي تتكلّم عن السعادة، دالّ السعادة، واستبدلناه بدالّ آخر مثل الضمير، ماذا سيحدث؟ هل سيتغيّر شيء؟ أي أنّه من المشروع تماماً أن نتساءل عن عبثيّة الجدل المعرفي في فضاء المدلول الخارق، حيث يبدو الشيء الواحد كأنّه عدّة أشياء، دون أن نلجأ كي نثبت ذلك إلى الاختزال أبداً. وهذه المقدمة2.
المقدمة 3: لا يمكننا أبداً – حتى الآن – أن نحلّق خارج فضاء اللغة – مدلول خارق، فنحن نعيش ونموت من أجل (الحريّة) تماماً كما من أجل الطّعام، ولكن دعونا نتكلّمْ عن الحريّة، ستأتي كل المدلولات الخارقة كالأشباح كي تتبادل الموقع الإدراكي معها: السعادة ، الأنا، الحقيقة…
إذاً نحن نموت ونعيش من أجل ماذا؟ يبدو من أجل لغة – مدلول خارق ذاته. 
هذه المقدمات الثلاث، تقودنا إلى ما يمكن أن يرعبنا حقّاً، نتساءل بشكل بسيط :
لماذا نحيا/ نموت؟
هل نعيش حقّاً ضمن وسط ذي حدّ أقصى سُمِّي يوماً ما اللّه؟
هل يمكننا أصلاً أن نعلم إن كان هو في ذاته اتساعاً أم كان هو في ذاته نهائيّاً وما الفارق (المحايث) بين الاثنين أصلاً؟
وبمرادفاتٍ أخرى، هل هو تجليّات أو تعبيرات علائقيّة لانهائيّة لجوهر واحد؟ أم أنّه تتابعات من تعبيرات لجوهر فجوهر فجوهر…هل يوجد دفعة واحدة، أن على دفعات؟
هل الأعداد لا نهائيّة – لكنها ذات البنية – لأنّها هكذا ضمن هذا الوجود بشكل نهائي، أم يا ترى يمكن أن تكون على غير ما هي عليه – يوماً ما – ؟ أو في وجودٍ آخر …
قد تكون كلمة (يوماً ما ) ذات دلالة مفتاحيّة
ختاماً، إنّ الجدل الفلسفي في قضيّة ما – ممّا ذكرت – يشبه عدّنا إلى اللانهاية، كي تصبح الصُّورة أكثر وضوحاً. ضمن هذه الصُّورة طرحتُ كلَّ هذه التساؤلات. 

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *