الرئيسية / رأي / عام مضى… ولن يمضي

عام مضى… ولن يمضي

ثائر الزعزوع
لعل الراغب بتصفُّح عام 2013 وما خلّفه على مستوى الصورة إن من خلال مقاطع الفيديو التي بثها ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي، أو تلك التي أفلحت بعض الفضائيات بالتقاطها عبر مراسليها، أو عبر بعض المكاتب الإعلامية الناشطة في الداخل سيصاب بالذهول نتيجة الكم الهائل من الدماء والدمار الذي حمله هذا العام الذي استحق أن يوصف بعام المجازر.
ولعل البحث في تفاصيل تلك الصور وترتيبها من شأنه أن يبعث في النفس رعباً استثنائياً، لكنه أيضاً يفتح القريحةَ للتوثيق والتأريخ لحقبة قد تكون الأكثر مرارة وإيلاماً في التاريخ الحديث لا على السوريين فقط بل على العالم بأسره.
وقد تحتفظ الذاكرة حصرياً بصور مجزرة قرية البيضا في بانياس باعتبارها واحدة من أشد الفجائع قساوة، فظهور الأطفال المذبوحين وأمّهاتهم بتلك الطريقة البربرية يشكّل دليلاً قاطعاً على أن ما يقوم به السُّوريون من ثورة على نظام مستبدٍّ هو حق لا جدال فيه، وأن أكذوبة الأمان التي لا ينفكُّ البعضُ يسوق لها في مواجهة التدمير والتهجير الذي يحدث ما هي إلا رفاهية زائدة لأشخاص ساذجين، أو أنهم، ومهما دافعوا عن أنفسهم، هم عبيد فخورون بعبوديتهم ولا يريدون التخلص منها، وهنا تستعيد الذاكرة من العام 2013 صوراً لحلقات دبكة شكلها أولئك العبيد رقصاً وابتهاجاً بمقتل السوريين، ولعل حلقات الدبكة تلك كانت أكثر استفزازاً للمشاعر وللإنسانية حتى من صور المجازر نفسها.
تزيح صور مجزرة كيماوي غوطتي دمشق الصادمة والمربكة للعقل البشري، تزيح صور مجزرة البيضا وإن مؤقتاً نظراً لما حملته تلك الصور المباشرة من همجية قد لا يستطيع التاريخ توثيق شبيهة لها في المدى المنظور، وهو ما لم يتم تسجيلُهُ من قبل.
 طبعاً كان لتطوُّر وسائل الاتصال الدور الكبير في نقل تفاصيل الفجيعة، بل وفي توثيق لحظات مفارقة الروح لأجساد الأطفال الغضة، وقد اختنقوا دون أن يملك أحد القدرة على مدِّ يدِ العون لهم.
ومرة أخرى تظهر الصور على الطرف الآخر، أي الطرف المؤيد نوعاً من العبودية لأشخاص يدافعون عن مقولات تافهة لا معنى لها، ولأشخاص صدّقوا أكذوبة مستشارة بشار الأسد المدعوة بثينة شعبان وهي تلفق أكذوبة حول عصابات إرهابية اختطفت أطفالاً من قرى اللاذقية، وجاءت بهم إلى غوطة دمشق لارتكاب تلك المجزرة، وهذه الأكذوبة لا تقل قذارة عن أكذوبة المقاومة التي باتت مثار سخرية، بل وغضباً، وصارت دليلاً أكيداً على أن صاحبها إنما هو متاجر رخيص بدماء الشعوب. 
وقد يكون زحام الصور اللاحقة كفيلاً بإسدال الستار مع انتهاء العام عن كل ما مرَّ خلاله من بشاعة، ولكن أيضاً من صمود فقد تميّز السوريون أيضاً بصمود استثنائي، وقد طوّروا أدوات صمودهم بطريقة غريبة جداً، لا على مبدأ الحاجة أم الاختراع، بل على مبدأ نفعل المستحيل لنكمل ثورتنا، قليلة هي الصور التي تصور الضعف والانهيار، ولكن صور القوة والتحدي كثيرة جداً، وبشيء من التأمل نستعيد صورة فتاة تغني في إحدى مناطق مدينة حلب “حانن للحرية حانن” لحظتها يباغتها القصف فينتقل المشهد من غناء للحرية إلى خوف من الموت، وهذا المشهد تكرر، ويتكرر منذ انطلاقة الثورة العظيمة، ولم يتوقف يوماً، تماماً كما أن مشهد الموت المتكرر بات اعتيادياً وهذا ما يؤلم خلال متابعة الحدث اليومي، فأعداد الشهداء المتزايدة بل حتى صورهم التي كنا نشعر بالحسرة لرؤيتها أول الأمر تحوّلت لتصير حدثاً مألوفاً، فصارت أية وسيلة إعلامية تذكر بشيء من العادية خبراً مفاده مقتل أو استشهاد ثلاثين أو أربعين وربما خمسين سورياً خلال يوم واحد، ولا يستوقفها إلا خبر مجزرة جديدة، حتى إن نقاشاً على أحد مواقع التواصل الاجتماعي دار بين ناشطين اختلفوا حول ما يمكن تسميته مجزرة، واحتج أحدُهم على عبارة أطلقها أحد الناشطين في الداخل كان يصف ما يحدث في مدينة المليحة في ريف دمشق، لأنه قال إن مجزرة ارتكبت رغم أن عدد الضحايا لم يتجاوز السبعة أشخاص!! أو ليس مقتل شخص واحد هو مجزرة في العرف الأخلاقي؟.
وكما أن المجازر حكمت حياتنا اليومية فإن مزيداً من الانتصارات التي حققتها فصائل الثوار المقاتلة على الأرض بعثت لدينا تفاؤلاً، وقد نقلت صور تحرير بعض المواقع، والسيطرة على مستودعات أسلحة وقطعات عسكرية، كل تلك الصور نقلت متلقيها إلى مرحلة جديدة، استبشر فيها خيراً أن العام لن ينقضي إلا والثوار على أعتاب قصر الطاغية في دمشق، لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق بسبب الدعم الهائل الذي يتلقاه النظام طبعاً وكله كان موثقاً.
 فقد أظهرت لقطات فيديو مسرّبة لطائرات تفرغ شحناتها العسكرية في مطارات مختلفة، وظهر أيضاً مقاتلو حزب الله ولواء أبي الفضل العباس والحرس الثوري الإيراني ظهر كل هؤلاء وبشكل صريح ومباشر عبر تسجيلات كثيرة، كما ظهرت أيضاً صور جثثهم ولكن هذه المرة عبر قناة المنار، وقد التقطتها صفحات الثورة باحتفالية كبيرة، وكانت معركة القصير التي تم تهويلها أكبر انتكاسة في عمر الثورة، إعلامياً، لكنها واقعياً كانت واحدة من معارك عديدة، لم تستطع أن تغير كثيراً في واقع الأمر.
وبالعودة إلى ما يمكن تسميته حكم الصُّورة التي تدير العالم، فقد أظهر العام الفائت تراجعاً كبيراً في أداء القنوات العاملة في إطار الثورة، وقد ظهرت بمظهر هزيل غير قادر على مجاراة الحدث واعتمدت بشكل كلي على تسريبات دون أن تتمكن من خلق فضائها الخاص، وقد أفلست واحدة أو اثنتان من تلك القنوات وباتت تشكل عبئاً لا على العاملين فيها فقط، بل على الثورة بشكل كامل.
وبهذا لا يمكن أن يمر العام 2013 مرور الكرام، ويتم نسيانه بمجرد الاحتفال بولوج العام الجديد، فالتوثيق أداة تستطيع الحفاظ على الحدث طازجاً، فهل ثمة موثقون؟.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *