رانيا مصطفى
استلم الأسد الأب السلطة بعد تصفيات متلاحقة في الجيش، وتهميش كامل لدور حزب البعث الذي أصبح مجرد “ديكور” للسلطة، فصار الحكم للجيش، وللأجهزة الأمنية التي بناها؛ وكل ذلك بتحالف ودعم البرجوازية التجارية المدينية، التي كان لها نصيب كبير من الفساد والنهب، ومن مجمل القرارات الاقتصادية الليبرالية؛
إذاً فهو قد بنى نظاماً قمعياً بامتياز، لتغطية النهب الحاصل بالفساد. الشعب السوري كان راضياً حينها، ولم يكن معنياً بحركات المعارضة، والتي اتخذ بعضها (الإخوان المسلمون) طابعاً مسلحاً، وتحت دوافع طائفية؛ فصمت الشعب عن قمع النظام لها بمجازر طائفية أيضاً.
فقد كانت أحوال الشعب في تحسُّن؛ فمعظمه يقطن الأرياف الفقيرة والمهمشة، وكانت إصلاحات البعث، منذ استلامه الحكم في 1963، قد حسنت من أحوالهم، حيث استفادوا من قانون الإصلاح الزراعي، ومن فرص العمل الحكومية بسبب تأميم المعامل الخاصة وإحداث معامل جديدة، ومن خدمات الدولة الاجتماعية مثل مجانية التعليم والطبابة، كما أن الضرائب المفروضة على المواطنين كانت ثابتة، حيث كان يعتمد الناتج القومي على منتجات الدولة الصناعية (النسيج والكونسروة…) وعلى المنتوج الزراعي. ولم يكن من رقابة شعبية على الفساد الحكومي، فالنقابات المهنية والعمالية المحدثة هُمِّش دورها بسبب التحكم الأمني وتحديداً في الثمانينيات من جهة، وبسبب المكاسب التي يحظى بها قياديوها، الأمر الذي حولها إلى هياكل صورية ضعيفة وعديمة الفاعلية؛ وهذا ما أدى إلى تفشي الفساد في كل دوائر الدولة.
هذه المكاسب التي نالها الفقراء والمهمشون لم تدم للأجيال اللاحقة؛ فسرقة القطاع العام، والفساد وسوء التخطيط، وكذلك غياب الرقابة الشعبية أدت إلى ظهور طبقة بورجوازية محدثة بفعل النهب، أرادت، مع البرجوازية القديمة، التحول إلى مافيات تجارية عبر انتقال الاقتصاد السوري إلى مزيد من الانفتاح. هذا ما خلق صراعاً ضمن السلطة، حُسم لمصلحة المزيد من الانفتاح الاقتصادي واللبرلة، وذلك بعد وفاة الأسد الأب، وتولّي ابنه بشار الحكم.
ورث بشار عن أبيه دولة قمعية بامتياز، فحافظ عليها من أجل ضمان أن يبقى هو وعائلته المستفيد الأكبر من التحديث الليبرالي الجديد، ولمنع أي تحرك شعبي ستسببه نتائج اتباع اقتصاد السوق الحر على الشعب.
وبالفعل كانت نتائج التحديثات الليبرالية الجديدة كارثية على الشعب، رغم أن تطبيقها لم يشمل كل شيء بعد؛ فقد فُتحت الأسواق أمام البضائع الأجنبية، بعد رفع الضرائب الجمركية عنها، ممّا أدَّى إلى ضرب المنتوج الوطني، وتدمير الصناعة، وقلة فرص العمل؛ ورُفع الدعم عن المحروقات والأسمدة، فدُمرت الزراعة؛ وتزايدت الضرائب لسد حاجة الموازنة العامة، والتي 55% منها يعتمد على الضرائب المفروضة على المواطنين الفقراء، في حين تُعطى التسهيلات الضريبية، والإعفاءات من التهرب، لأصحاب المليارات من التجار.
وبدأ مسلسل تسعير كل شيء، فانتشرت المدارس والجامعات الخاصة، والتي تتقاضى ثمناً باهظاً من الطلاب، وكذلك الفنادق والمصارف الخاصة والشركات التجارية، وكلها لا تشغل كوادر فنية وموظفين إلا بالحد الأدنى وباستغلال كبير، وبعطل غير مأجورة، وتسريح تعسفي، حيث يوقع الموظف على طلب استقالته سلفاً. إضافة إلى أن الخصخصة بدأت تشمل الحدائق العامة، فبات دخول بعضها مأجوراً.
أما المشافي الحكومية فباتت خدماتها تزداد سوءاً، حيث نقص المعدات والعلاج والكوادر، خاصة مع توجه الأطباء إلى العمل في المشافي الخاصة حيث الدخل الأعلى، وبذلك بدأ سحب خدمة الطبابة المجانية من المواطنين، لا سيما بعد أن بدأت الثورة، حيث تحولت المشافي الحكومية إلى خدمة الموالين حصراً. وبعضها إلى معتقلات ومقرات تعذيب.
أما الضمان الصحي للعاملين في الدولة فبُدئ العمل بمشروع التأمين الصحي، حيث يدفع الموظف مبالغ كبيرة بالنسبة إلى دخله، وقابلة للزيادة، في حين أنه لا يلقى الرعاية الصحية الكافية حين يحتاجها. أما الكهرباء فقد بدأ رفع الدعم عنها بتقسيمها إلى شرائح استهلاك، وبتحميل الفاتورة ما يعادلها من ضرائب ورسوم، بعضها لا علاقة له بالكهرباء، فضلاً عن معاناة المواطنين من انقطاعها قبل الاحتجاجات، وتضاعفت المشكلة بعدها، حيث عزت الحكومة المشكلة إلى أفعال إرهابية وتخريبية، والواقع، وحسب صحف مقربة من النظام، يعود ذلك إلى رداءة المولدات المستوردة من الصين، نتيجة غياب الرقابة الفعلية، وحضور الرشاوى على العقود التي تبرمها وزارة الكهرباء مع المقاولين والمستوردين. ومنذ 2009 بدأ طرح مشروع تخصيص الكهرباء، ويتصاعد الحديث فيه اليوم، اقتداء بتجربة تركيا ولبنان، حيث يتكلف المواطن أثماناً باهظة للحصول عليها، في الوقت الذي تتقاضى فيه الحكومة بعضاً مما يسد احتياجات موازنتها، والغنيمة الكبرى تعود إلى جيوب المستثمرين المحليين أو من دول الجوار؛ أما عائدات أموالهم فتعود إلى البنوك العالمية التي يودعونها فيها.
ومع اقتراب الحل السياسي، يتم التحضير لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري، وفق انفتاح كامل يعتمد السياسات الليبرالية، وسيفرضه صندوق النقد الدولي والبنوك الدولية، نتيجة القروض التي ستقبل عليها سورية.
لا يبدو أن الحل الروسي القادم في جنيف سيستبعد النظام، لذلك يحاول أن يستعيد علاقاته مع الدول التي قاطعها نتيجة دعمها للمعارضة، ومنها قطر، لاستئناف العقود السابقة، وإبرام عقود استثمار جديدة في سورية، تشمل مشاريع إعادة الإعمار، بالطبع ليس إعمار القرى والمدن المتهدمة، إلا لاستثمارها، وكذلك تركيز الاستثمار في المراكز التجارية والمرافق الهامشية.
النظام يعلم جيداً تأثير السياسات الليبرالية على الشعب، وكان قد أعد جيشه وأمنه وشبيحته، لمواجهة الثورة الشعبية؛ وبالفعل تمكن من إيقافها في المناطق الواقعة تحت سيطرته؛ حيث الاعتقالات التعسفية والقتل تحت التعذيب، والمراقبة وتكثيف الحواجز. أما المناطق المحررة، فهو مستمر في تدميرها وتهجير سكانها، إضافة إلى إرسال حكومة المالكي، بالاتفاق مع النظام، تنظيم القاعدة داعش، فضلاً عن النصرة، وبقية الكتائب الإسلامية، المدعومة عربياً، والتي تتحكم وتعتقل وتقتل الشعب، كما النظام، في تلك المناطق.
يعمد النظام إلى تفريغ دمشق من معارضيه، استعداداً للمرحلة المقبلة، حيث تتصاعد في الفترة الأخيرة اعتقالات النشطاء السلميين، خاصة المرشحين لمشاركته الحكم، نتيجة علاقات التشبيك مع الروس، كهيئة التنسيق مثلاً، وإيقاف كل أشكال النشاط المدني بعد جنيف. المعارضة في الخارج بالمثل، تتشدق برغبتها بتطبيق السياسات الليبرالية الجديدة، وأعدت هي الأخرى مؤتمراتها المدعومة من أصدقاء سورية من أجل إعادة هيكلة الاقتصاد السوري وفق اقتصاد السوق الحر. في الوقت الذي لا تستطيع إيجاد أجهزة قمعية كما النظام، كصنو أساسي لتطبيق تلك السياسات.
الواقع أن المزيد من السياسات الليبرالية لن يجلب إلى سورية الاستقرار، فقد باتت معها استحالة العيش لقطاعات كبيرة من الشعب، رمت بهم الحرب الدائرة في هاوية خط الأمن الغذائي، فضلاً عن ملايين المهجرين والمشردين والمنكوبين؛ فمتوقع أن تتصاعد أعمال السرقة والنهب وشبكات الدعارة والمخدرات وغير ذلك من أشكال الفساد الاجتماعي، وكذلك الأعمال العصاباتية وربما الطائفية.
بقاء النظام يعني بقاء القمع واستمرار الصراع الدموي، ربما بأشكال جديدة، وذهابه ومجيء المعارضة التابعة إلى الحكم، سواء من الائتلاف أو الهيئة…، لن يجلب الاستقرار، بل سيجدد الانتفاضة الشعبية، بالتوازي مع تصاعد آثار التفقير على الشعب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث