انطوان حداد
تقترب الثورة السورية
من نهاية عامها الثالث، قدّم خلالها الشعب السوري مئات الألوف من الشهداء
والمفقودين والمعتقلين، وتحوّل أكثر من نصف سكان سوريا إلى نازحين في الداخل، أو
لاجئين في دول الجوار، يواجهون استبداد وقهر الظالم، متحدين قسوة الطبيعة، والحصار،
والجوع بصبر وإصرار، مقتحمين الخوف، مندفعين إلى الموت برضا وفرح ليكونوا
شهداء، فالشهادة لديهم تجاوزت حالة التحدّي للظلم وفتحت الباب على مصراعيه لنشر
مفاهيم جديدة تؤسّس لنهج جديدة في ثورات الشعوب نحو الحرية .
ما قدمه شابات وشبّان
سورية من تضحيات لثورتهم نحو الحرية، كان الشرارة لانتشار الثورة في كل ربوع سوريا
وبين كل طبقات الشعب السوري، وأرغم شيوخ السياسة والمعارضة في الداخل والخارج على الإسراع
لاهثين لركوب قطار الثورة، محاولين إيجاد موطئ قدم فيها، وليتحولوا إلى عبء على
الثورة، ومسارها، وكينونتها .
آمال الثورة
وطموحاتها في الوصول إلى سورية الحديثة الحرة الديمقراطية كانت كبيرة، وكان تعاطي
المعارضة معها أدنى بكثير من تطلعات الشعب لها، الشعب الذي سلّم الأمانة لقيادة
سياسية معارضة، الداخلية منها راهنت على سياسة الحوار مع النظام للانتقال إلى
سورية مدنية وديمقراطية، رهان خاسر مع نظام اعتمد الحل الأمني لإعادة الشعب إلى
الحظيرة مرة أخرى، ومعارضة خارجية راهنت على وعود الخارج الغربي والعربي ودعمه الإعلامي
المبطّن مبتعدة عن قواعدها الداخلية، فبدل أن تؤسس لبنية سياسية داخلية قوية ترفد
الخارج بتمثيل سياسي وعسكري حقيقي، اعتقدت أن المخرج هو خارج واسع وعريض متمثل
بأصدقاء سوريا، قدّم وعود واهية كثيرة لم ينفذ منها شيئاً، وتحوّل إلى كابوس
بمحاولاته لخطف الثورة، وإضعافها لإفشالها، بغية تحقيق ما أراد من تدمير لسوريا
الدولة والمجتمع. خدمة لمصالح استراتيجية أمنية تتلخص بعدم السماح لقيام الدولة
المدنية الديمقراطية الحديثة، ولزج المنطقة في صراع سني شيعي طويل الأمد، ينهي
مقولة الصراع العربي الإسرائيلي، وتحويل جوار إسرائيل إلى دول فاشلة، أو ضعيفة جداً
.
لم يستطع الأمريكيون،
ولا حلفاؤهم الغربيين، الوقوف جانباً لفترة طويلة وهم يرون أن الثورة تتّسع، والنظام
يتراجع أمامها، فقرروا مواكبتها، للدخول إلى عرينها، وتقديم كل الوعود الرنانة، في
نفس الوقت الذي أطلقوا فيه اليد لبطش النظام المدعوم من شركائهم الآخرين, ساكتين
عن كل أنواع التجاوزات الإنسانية القانونية التي شرّعتها الأمم المتحدة ومنظمات
حقوق الإنسان العالمية، سامحين بكل أنواع التنكيل والقتل، وبكل أنواع الأسلحة
المحرّمة دولياً، لكن إصرار السوريين وصمودهم كان أكبر من المتوقع بتساوي الموت
والحياة لديهم، إذ مازالت هناك أوراق أخرى لم يتم وضعها على الطاولة لمزيد من
الضغط، من خلال فتح الباب لدخول كل أنواع التنظيمات الجهادية الشيعية والقاعدية،
لتغرق ساحة الصراع بكل أنواع التطرف، ولإنهاك الشعب السوري، وبالتالي استسلامه .
نعم، لقد تعب الشعب السوري لكنه لم يستسلم، وكل محاولات إضعافه
كانت مصدراً لقوته، فالعودة إلى الحظيرة هي أيضاً موت ذليل سيذكره التاريخ بشماتة،
ولكن الموت بصمود ومقاومة سيكون مسجّلاً بأحرف من دم في التاريخ، وسيكون سجل شرف
لشعب ما استكان في سبيل حريته، فارضاً على قيادته العودة إلى سكة الصواب، وفارضاً
على العالم الاعتراف بأن ثورته تاريخ عالمي جديد، ودرس جديد في انتزاع الحرية..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث