نبيل
محمد
منطق استحضار
الشخصية الأدبية والثقافية السورية “الشخصية المتوفاة”، وتوظيفها
ككائنات ثقافية معايشة للوضع السوري، ثم احتماليات اتخاذها لمواقف معينة… يصل
بالبعض أن يطلبهم أحياء… على نزار قباني اليوم أن يخرج من قبره ويرد على من
يقوله ما لم يقل وعليه أن يوضح موقفه تجاه الثورة، هل سيقف ليقرأ الشعر الكلاسيكي
مع هيئة التنسيق، هل سيهاجم النظام بوضوح ومباشرة، أين سيكون بالضبط.
وسعد الله ونوس،
هل سيكمل مسيرته ضد النظام السوري وأجهزة المخابرات، أم أن الوضع الراهن سيفرض
عليه معادلات جديدة تجره إلى حصين البحر أكثر مما تجره إلى الوطن الشاسع، وماذا عن
محمد الماغوط هل سيهزأ من الجميع، أم سيشير إلى سياف الزهور بإصبعه وكلماته
الصلبة.
ليس مستغرباً أن
يطالب من يستحضرهم اليوم بمواقف واضحة منهم كل من تربته، وعليهم أما أن يثبتوا ما
قيل عنهم أو أن ينقضوه، فهناك من يستحضر مواقفاً في حياتهم وبعضهم من يشهد على
حدوثها، وآخرون قرؤوا في أدبهم ما لم يقرأه الجميع.. هناك من يرد على الاتهامات
وهناك من يتهم من جديد… بل هناك من يراجع تراث من مات ليفهم بشكل أقرب إلى
المنطق كيف سيكون لو أنه عاش بعد آذار 2011.
تتطور الخلافات
ويتراشق النقاد والكتاب والمترجمون والنشطاء التهم، ويرد جمهور هذا على تهمة ذاك،
بينما يؤكد آخر أن الأديب الراحل كان يكرر مقولة كذا، وربما ما يتفق به جميعهم عدم
وظيفية هذا المنتج الأدبي في الراهن السوري، لا كمسبب ولا كمحرض ولا حتى كشعارات،
وهنا لا ينكر أحد دور النظام السوري خلال أكثر من أربعين عام في خلق الهوة بين
الشارع والمثقف، فلا للمثقف ذنب واضح في عدم قدرته على التأثير، وليس على الجمهور
مسؤولية أنه لم يقرأ، لذا كان من أبسط الحقائق أن الأدباء منهم من رحل ومنهم من
مازال حياً وجميعهم على هامش الحدث السوري، وانفصالهم عن واقع الشارع لم يتغير حتى
الآن، كما أن الشارع الذي يعرف أسماء بعضهم ويخطئ في أخرى، لم يكن مضطراً لإعادة
البحث في تراث بلده الثقافي ليستنتج شعاراً أو مبدأ أو معطيات قضية، كان أكثر
بساطة وحرفية في انتقاء ما يريده، فموروثه الديني والاجتماعي والاقتصادي كان أقدر
على أن يحتل لافتاته وجدرانه وحتى صفحاته الافتراضية… وليس ما يُقرأ اليوم على
هذا الجدار أو عمود الكهرباء أو تلك اللافتة إلا جمل ذات منشأ قرآني، أو جمل ذات
منشأ شعبي تتردد على لسان الأفراد، فما الشعارات الراسخات والأقوال التي كركبت
البشرية وجمل شباب الثورة على الأرض إلا من ثقافة شعبية لم تنفصل عن الواقع كونها
وليدة الحي والأسرة والمدينة وليس وليدة المنابر والكتب والمسارح التي غلفها الأسد
أباً وابناً بجدران عازلة للصوت، وجعل من الأسماء التي عملت بها ذكريات رومانسية قد
يتذكر أحد ما جملها ومواقفها ثم ينسى ذلك بعد أن يقرأ شعاراً واحداً قاله بائع فول
وردده شارع يعشق مرور عربة الفول أكثر من الثقافة التي لم تكن عامة أبداً.
غاب من غاب وحضر
من حضر، بعضهم تنكب غروره ليرى الشارع “الشعب” أتباعاً للحى رجال الدين
وذهب يبحث عن نوبّله، وبعضهم كان لديه الجرأة في مواجهة الواقع والصعود إلى مستوى
صدقية الشارع.. إلا أن من مات لم يوضح للمتخاصمين على اسمه موقفه، ومن مات لم يكتب
شعاراً يمكن الحذو خلفه في حال حدثت ثورة بعد وفاته… لم يتوقعون حدوث ثورة
ربما…. ماتوا فقط وربما على من يقرأهم الآن أن يتوقف عند حدود الزمن الذي عاشوا
به، هم لم يتخذوا موقفاً ومن عارض النظام مسبقاً ليس من المحسوم أن يعارضه اليوم
وليس من المحسوم أن يقف معه… المحسوم فقط أنهم ماتوا قبل التغيير…
ومن المحسومات
في سياق مختلف مثلاً أن حافظ الأسد مات قبل أي حساب شعبي.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث