الرئيسية / رأي / ماذا وراء أكمة تناغم داوود أودغلو-البرزاني؟

ماذا وراء أكمة تناغم داوود أودغلو-البرزاني؟

عبدالقادر عبد اللي

شهدت تركيا في الأيام الأخيرة نشاطاً سياسياً غُيّب عن تناول الإعلام
العربي عموماً والسوري خصوصاً لأسباب كثيرة لعل تشكيل حكومة طعمة المؤقتة، ومؤتمر
“كلنا سوريون” أهمها. النشاط السياسي هو الاستعداد لاستقبال أرضوغان في
ديار بكر ليبيت أول ليلة منذ تسلمه الحكومة في هذه المدينة، واستضافته لمسعود
برزاني فيها، وحضور المطرب الكردي الكبير شيفان ليغني برفقة إبراهيم طاطلي سَسْ،
وتصريحات وزير الخارجية التركية داوود أوغلو، وبيان مسعود برزاني الصحفي المكتوب
الموزع على وسائل الإعلام قبيل مغادرته إلى تركيا…

قبل كل هذا، وبالتوازي مع إعلان حكومة طعمة أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي
(الكردي) إدارة ذاتية مؤقتة في المناطق التي يُسيطر عليها. بتاريخ 13/ 11/ 2013،
وعند مغادرته من مطار أنقرة، قال داوود أوغلو رداً على هذا الإعلان بأسلوبه
الدبلوماسي المعروف: “هذا ليس تصرفاً صائباً. عندما تعلن المجموعة (
X) إعلاناً كهذا، ستعلن المجموعة (Y) إعلاناً كهذا، وبعد غدٍ مجموعة أخرى، وهذا ما سيقسم
سورياً على أساس قومي ومذهبي. نحن أكدنا دائماً على أن أخوتنا الكرد في سوريا
مثلهم مثل أخوتنا العرب والتركمان والنصيريين والدروز عناصر سورية أساسية، ولها
الحقوق نفسها. لهذا لم نميز بين أي مجموعة قومية أو مذهبية وأخرى. ولكن حزب
الاتحاد الديمقراطي يمارس قمعاً خطيراً في المناطق التي سيطر عليها بدعم من
النظام
(السوري)، وخاصة على أخوتنا الأكراد. وهناك شكاوى كثيرة من هذا
الأمر.”

بعد ساعات فقط، نشر بيان صحفي مكتوب لرئيس إقليم كردستان العراق مسعود
برزاني. كان تصريح البرزاني أشد إيلاماً، ويبدو أقل دبلوماسية. لعل السبب هو زوال
عنصر الحساسية بين أهل البيت الواحد، واعتبار البرزاني نفسه كما يعتبره كثير من
الأكراد أباً روحياً للحركة الكردية.

جاء في تصريح البرزاني: “يدّعي حزب الاتحاد الديمقراطي بأنه قام بثورة
في ‘
Rojava’.
على من انتصرت هذه الثورة؟ الشيء الوحيد الذي فعلوه هو أنهم حكموا المنطقة التي
سلمهم إياها النظام
. إنهم يمارسون القتل. وبدأوا الآن بقتل الكرد. تم تأسيس
المجلس الكردي الأعلى في إطار اجتماعات أربيل بتاريخ 11 تموز 2011 من أجل تنسيق
الحركة الكردية للتحرك بشكل جماعي. ولكن حزب الاتحاد الديمقراطي لم يلتزم بهذا
الاتفاق، وأبعد كل الأطراف. فرض أمراً واقعاً بقوة السلاح، وباتفاق سري مع
النظام
، وأعلن نفسه قوة عسكرية.”

جاء تصريح مسعود برزاني هذا ملفتاً للأنظار في أثناء استعداد رئيس الحكومة
التركية رجب طيب أرضوغان في ديار بكر، لذلك يمكن أن يخطر بالبال بأنه تصريح سياسي
حاول البرزاني من خلاله استمالة أنقرة على اعتبار زيارته هذه هي دعم لانفتاح
الحكومة التركية على حزب العمال الكردستاني، وبدء حل القضية الكردية ضمن الجمهورية
التركية.

ولكن هناك تزامن ملفت للانتباه أيضاً من خلال تصريحات صالح مسلم رئيس حزب
الاتحاد الديمقراطي في اليوم نفسه إلى وكالة رويتر للأنباء، يتحدث فيه عن تناغم
بين حزبه ونظام الأسد، رافضاً وجود اتصال مباشر بينه وبين هذا النظام بحسب ما
نشرته جريدة تركيا: “لقد خرجنا نحن كما خرج نظام الأسد بمكاسب من هذا
الاتفاق. ولكن الأسد رفض منح الأكراد إدارة ذاتية… إن تفوق حزب الاتحاد
الديمقراطي العسكري وسيطرته على مناطق عديدة كانت بأيدي المتطرفين أفاد الأسد
والتحالف الشيعي الذي يدعمه.”

ماذا يعني هذا التناغم بين حكومة البرزاني والحكومة التركية في قضية حزب
الاتحاد الديمقراطي؟ هل هو تناغم حقيقي يهدف إلى محاصرة هذا الحزب الذي بحسب ما
قالته الصحيفة التركية بأنه اعترف بحصوله على دعم بالسلاح والمال من حزب العمال
الكردستاني من جبل قنديللي؟ ولكن من جهة أخرى، هل تستطيع قواعد حزب العمال
الكردستاني تقديم هذا الدعم دون موافقة البرزاني؟ أم أن البرزاني يلعب لعبة
المرحوم عرفات مع المنظمات المقاتلة في فلسطين المحتلة وسميت يومئذ “الباب
الدوار”، فهو يعلن رسمياً أنه ضد تلك المنظمات، ولكن عناصره كانت تتسامح
معها، وتقدم لها الدعم في أحيانٍ كثيرة دون استطاعة أحد إثبات ذلك، مما دفع
إسرائيل لاتخاذ قرار تصفيته الجسدية، وقتله بحسب ما ثبت أخيراً؟

على الرغم من إشارة البرزاني إلى وجود اتفاق سري بين الاتحاد الديمقراطي
والنظام السوري، فإن تصريح صالح مسلم في الحقيقة مقنع إلى درجة كبيرة، فهو يعترف
بوجود مصالح مشتركة بين حزبه ونظام الأسد نافياً وجود أي علاقة مباشرة بينهما.
فنظام الأسد ليس من النوع الذي يقيم اتفاقات من هذا النوع، وإذا أقامها فيقيمها
بواسطة طرف ثالث، ولا يكون في الواجهة، وفي هذه الحالة أيضاً يمكن للطرفين أن
يُنكرا وجود اتفاق كهذا، أو يتنصلا منه بسهولة.

كثير ما تُطرق هذه الأبواب في الصراعات السياسية والعسكرية، فتعقد اتفاقيات
مباشرة أو غير مباشرة، وكل طرف يعتقد أنه ذكي إلى درجة الاستفادة من الطرف الآخر،
ولكن هذه الاتفاقات دائماً تكون مرحلية، وتنعكس على أطرافها بنتائج غالباً ما تكون
سلبية. فهل البرزاني بحنكته السياسية وخبرته يريد أن يدق ناقوس الخطر؟

سياسة الانفتاح التركية على القضية الكردية، والتناغم الحاصل بين حكومتي
برزاني وأرضوغان يمكن أن تُسقط احتمال مناورة البرزاني في هذه القضية، ومهما كان
موقف البرزاني، فهل تنجح حكومة العدالة والتنمية بإفشال ما يطمح إليه حزب الاتحاد
الديمقراطي عن طريق اتفاق مصالح آخر بينها وبين البرزاني؟

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *