عبد القادر عبد اللي
يسمى الدوران في المكان
في سوريا دوارناً كبغل النورج أو الطاحون أو معصرة الزيتون بحسب موسم المنطقة
الزراعي. لا أريد أن أتناول الموضوعات كلها التي تسير فيها المعارضة سير بغل معصرة
الزيتون، وسأكتفي بالمسار الذي أراه من شرفة الجيران.
من المفهوم أن يقيم
نظام استبدادي عائلي علاقات وطيدة من أنظمة استبدادية، وأحزاب شيوعية ستالينية
وفاشية، وأن تتعاضد هذه الأنظمة فيما بينها، ولكن ليس من المفهوم أن يقيم هكذا
نظام علاقات وطيدة مع حزب يدعي اليسارية الديمقراطية. وهذا ما حدث على أرض الواقع
عدا استثناء واحد. هذا الاستثناء هو العلاقة المتميزة بين نظام عائلة الأسد برعية
الولي الفقيه الذي يمثل مع تنظيم القاعدة العالمي أحد أكبر عدوين للعلمانية من جهة،
وحزب المعارضة الرئيس في تركيا حزب الشعب الجمهوري، الذي يعتبر نفسه حامي حمى
العلمانية الوحيد في المنطقة من جهة أخرى.
عندما اتخذ حزب العدالة
والتنمية التركي عام 2002 قراراً بتطوير علاقات تركيا التي بدأها أحمد نجدت سيزار
مع سوريا عام 2000 نسي حزب الشعب الجمهوري علمانيته، وعارض تطوير هذه العلاقات
رافعاً مقولة شهيرة: “تطوير علاقاتنا مع سوريا سيكون على حساب علاقاتنا الاستراتيجية
مع إسرائيل.” طبعاً نسي بأن إسرائيل دولة دينية مناهضة للعلمانية.
حين زار بشار الأسد أول
زيارة رئيس دولة سورية إلى تركيا في مطلع عام 2004، اقتُرح عليه أن يلتقي رئيس حزب
الشعب الجمهوري. وفعلاً استقبل الأسد رئيس هذا الحزب في مقر إقامته، وكانت تلك
الزيارة بداية لكسر حدة لهجة قيادة هذا الحزب نحو العلاقة مع سوريا. لا ندري يومئذ
ما إذا كان قد أقنع الأسدُ رئيسَ هذا الحزب بعدم وجود تضارب بالمصالح في علاقات
تركيا مع نظامه ومع إسرائيل في الوقت ذاته، ولكنها أثمرت سيراً سلساً للعلاقات بين
البلدين، وكثيراً ما كانت تزور سوريا وفودٌ (ثقافية على الأغلب) تنتمي إلى حزب
الشعب الجمهوري، وكان أعضاء تلك الوفود يتوترون كثيراً عندما يطنب المسؤولون
السوريون بمديح “القائدين العظيمين بشار الأسد والطيب أرضوغان” كما
تعلموا في الحلقات الحزبية، وبقي الضيوف يبتلعون الأمر الذي يعتبرونه إهانة لهم،
ويصمتون.
بعد انطلاق الثورة
السورية، وفشل محاولات أرضوغان المتكررة بإيجاد حل وسط، بين الأخوان المسلمين
السوريين والنظام، عاد حزب الشعب الجمهوري إلى نبرته السابقة، وبدأ يسير بخط معاكس
لخط حكومة العدالة والتنمية. في الحقيقة أن أحزاب المعارضة الأخرى كحزب الحركة
القومية، وحزب الوحدة الكبرى، والسعادة (امتداد الرفاه) لا تختلف كثيراً بمواقفها
عن موقف حزب الشعب الجمهوري، ولكن لهذا الحزب تأثيراً أقوى بسبب كونه ثاني أكبر
الأحزاب التركية الممثلة في مجلس الأمة التركية الكبير (البرلمان)، وتمادى أكثر
بأن ذهبت منه وفود قابلت الأسد، واستخدمت تلك الزيارات بقوة في الدعاية المضادة
للثورة.
نجح هذا الحزب بحشد رأي
عام معين، وصحفيين وكتاب ومثقفين يعادون الحكومة التركية والإسلام السياسي ضد
مطالب الشعب السوري المشروعة، وتأريق حزب العدالة والتنمية في مواقفه المؤيدة
للثورة السورية. وتمادى أكثر بأنه كال اتهامات كثيرة للثورة السورية بأنها مجموعة
متطرفين، وهو لا يعتبر أن هناك ما يسمى جيش سوري حر، بل هناك تنظيماً للقاعدة
يناضل النظام ضده نضالاً مشروعاً، واتهم حكومة العدالة والتنمية بالتطرف لأنها
تدعم المتطرفين السوريين. فهل هذا نجاح لنظام الأسد، أم فشل للمعارضة السورية؟
لا يتعدى الأمر كونه
واحداً من حالات فشل المعارضة السياسية السورية المتكررة، والدوران في المكان. من
الناحية الفكرية، صحيح أن هذا الحزب بجذوره هو الأصل التركي لنسخة حزب البعث
العربي الاشتراكي، ولكنه في عام 1950 عدّل نظامه الداخلي، وقبل بالديمقراطية
والتعددية الحزبية في إطار اليسار الوسط الأقرب لحزب الشعب الذي يرأسه رئيس
الائتلاف الوطني السوري جورج صبرة، وخسر الحكم في أول انتخابات ديمقراطية تعددية
عام 1955. وقد زار صبرة مرة واحدة كمال قلتش دار أوغلو رئيس هذا الحزب، وخرج ببيان
قصير معتدل يعتبر تقدماً ملحوظاً على صعيد موقف هذا الحزب من الثورة السورية. ولكن
لم يكن هناك أية متابعة لتلك الزيارة، وعاد الحزب إلى مواقفه السابقة، وأصبح أنصارُ
هذا الحزب في المؤسسات الحكومية التركية يشكلون كابوساً للسوريين في كثير من المدن
التركية، وخاصة العاصمة أنقرة حيث يحظى هذا الحزب بكوادر هامة في مؤسسات الدولة في
هذه المدينة.
إن مشكلة هذا الحزب
ليست مع المعارضة السورية، بل مع أرضوغان، وقد وجد بالمعارضة السورية أداة للهجوم
على خصمه السياسي الذي لم يستطع التأثير على مكانته السياسية بأي شكل على مدى ثلاث
دورات انتخابية متتالية.
أليس لدى المعارضة
السورية عموماً، وحزب الشعب (السوري) أو الكتلة الديمقراطية خصوصاً وقتاً لإقامة
علاقة أمتن مع حزب الشعب الجمهوري (التركي)؟ بفرض أن هاتين الكتلتين أقامتا علاقات
متميزة مع هذا الحزب، وجنبتا المعارضة السورية حالة التناحر بين الغالبية
البرلمانية والمعارضة التركية فما الذي كان سيحدث؟ أقلّ النتائج كان من الممكن أن
تكون تخفيفُ الضغط عن الحكومة التركية بسبب موقفها من الثورة السورية، كما خفف
الضغط عنها أثناء تطويرها علاقاتها مع النظام.
لكي لا يبدو كلامي
موجهاً لكتلة واحدة من المعارضة، فالأخوان المسلمون أيضاً لم يبادروا ولو مرّة
واحدة بالتواصل مع حزب السعادة (وريث الرفاه) الأقرب إليهم، وتُكال له الاتهامات
أنه امتداد للتنظيم العالمي للأخوان المسلمين، وحُوكم أكثر من مرة بهذه التهمة،
وحظي بالبراءة.
عدم استطاعة حشد الدعم
العالمي لا يكمن خلفه وجود تنظيمات متطرفة تنشط عسكرياً في سوريا فقط على الرغم من
الدور الكبير لهذه التنظيمات، بل قلة خبرة سياسية. إن هذه السياسة لا تبشّر
بمستقبل سياسي جيد للدولة السورية المقبلة، وينطبق عليها المثل البلدي: “إذا
طباخنا (جعيص) شبعنا مرق!” وستبقى المعارضة تسير معتقدة أنها تتقدم، ولكنها تدور
في المكان كما يدور بغل معصرة الزيتون.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث