الرئيسية / منوعات / منوع / “أضلاع” متكسرة في ثورة الحرية

“أضلاع” متكسرة في ثورة الحرية

مهيب حسين

استهلال ..

كانت قابعة في غرفتها، لا تتكلم مع أحد، كأنها أصيبت بالخرس، نظرات الذل
تجعلها تنكس رأسها خجلاً من جريمة لم تفترفها، ولم تكن تعرف أنها ستكون ضحيتها،
لتقع فريسة الضباع البشرية الجبانة التي نهشت لحمها وكرامتها، و حولتها إلى جثة
هامدة، تنظر بعيون متفاجئة من كل شيء..

الخطف الدنيء

كانت في سوق البلدة تشتري حاجات البيت اليومية، ترافقها حماتها في هذه
الجولة الاعتيادية، فالزوج في عمله كالعادة، وهي من يجب أن يؤمن هذه الحاجات.

وفي وقت الذروة في سوق البلدة، حيث الازدحام شديد، وحواجز الجيش النظامي
تقطع أوصال هذا السوق، وتغلق بعض الشوارع، فلا يستطيع أحد أن يدخل السوق إلا راجلاً،
و بشكل مفاجئ، بدأ الصياح يعلو، وأصوات
إطلاق الأعيرة النارية تشق عنان السماء، و فوق رؤوس الناس، مما جعل الناس في السوق
يتراكضون بشكل هستيري، ويدلفون إلى أي باب مفتوح، فهو ملاذ هؤلاء الهاربين من
المجهول الذي بدأ رحلته، وهنا، راحت الأصوات تعلو لتعلن اختطاف سيدة في السوق، فتوقف
إطلاق الرصاص، والأصوات العالية…

و بعد دقائق، بدأ الناس يخرجون
بحذر شديد من المحلات التجارية التي اختبؤوا فيها، الحماة تبحث عن كنّتها في السوق،
ظناً منها أنها التجأت إلى أحد المحال التجارية أثناء التراكض الهستيري، إلا أنها
بحثت في كل المحلات، فلم تجد الكنّة. قالت في سرها: “ربما هربت إلى البيت بعد
أن خرج الناس!”.

في البيت لم تجدها الحماة، ولم تصل الكنّة إلى البيت أصلاً ، ساعة ..
ساعتان .. ثلاث و لم تأت الكنّة من السوق، عاد الزوج من العمل، ومازالت الكنّة
خارج المنزل، ولم تعد من السوق .. و في النهاية علم الزوج بغياب زوجته، وبما حصل……..

رحلة البحث عن المجهول

بدأت هذه الرحلة للبحث عن السيدة التي اختفت بشكل مفاجئ، لم يستطع الزوج
استيعاب ما حصل، فلا جثة سقطت خلال إطلاق
النار العشوائي، ولم تعد للبيت، وليست من ذوات السمة والأخلاق السيئة، فما هو الحل
؟

أخذ يبحث في أحياء البلدة وأسواقها، عله يجدها، فالطفلة التي لم تبلغ السنة
من عمرها تبكي مفتقدة أمها، و لا خبر عن الأم!

بدأت الشائعات تسري كما النار في
الهشيم عن هروب الزوجة مع عشيقها، وهو أول احتمال يحكى عنه
في مجتمع لا يفكر سوى في الخيانة، ويعتبر أي شخص فيه قابلاً للخيانة، بمجرد أن
تسنح له الفرصة، إلا أن الزوج لم يبالِ بما يسمع، أو بما يغمز به الآخرون، فهو
يريد أن يعرف أين اختفت زوجته، وأن يحصل على أي خبر عنها، إن كانت مقتولة أو مختطفة ،المهم.. خبر يطفئ نار الحيرة
التي بداخله..

خرج من البلدة ليبحث عنها في البلدات المحيطة بها، ربما يصل إلى السؤال
الذي يأكل دماغه، لكن هذا السؤال ظل عصي الإجابة على الجميع..

عودة مؤلمة

بعد عدة أشهر من الاختفاء، تظهر السيدة التي اختفت بشكل مفاجئ..

لم تعد إلى بيت الزوج أو إلى
ابنتها، آثار التعذيب والاغتصاب كانت واضحة على جسدها، كان القهر يأكل عيونها،
وصمت مطبق، لا إجابات عن الأسئلة الكثيرة الموجهة لها عن اختفائها..

بدأت تعتاد الغرفة التي سجنت فيها نفسها، وبدأت تعتاد الظلام .. و بدأت
تعتاد الصمت .. شيئاً فشيئاً بدأت تتحول الى جثة هامدة، لكنها مازالت تتنفس، وتنظر
بعيون الدهشة والعتب لكل من وجه لها سؤال: “أين كنتِ” ؟ّ!

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *