رانيا
مصطفى
كل الإعلام في العالم
مسيس تبعاً لأجندة مموليه، ومنه الإعلام العربي في الخليج، الذي يموّله ملوك وحكام
أنظمة النفط العربي؛ وبالتالي هو يصدّر سياسات تلك الأنظمة بالضبط؛ ويمكننا
التركيز على القناتين الأكثر مشاهدة: الجزيرة والعربية.
التغطية الإعلامية لقناة
الجزيرة مبنية على سياسة دعم الإخوان المسلمين في العالم العربي، والمراهنة على
وصولهم إلى الحكم، ودعم الثورات انطلاقاً من ذلك فقط؛ فبعد أن تيقنت من أن الشعوب
ثارت ولن يردعها قمع أو قتل، دعمت الجزيرة الثورات، لتركبها وتؤثر في الرأي العام
حولها. ففي ليبيا دعمت المجلس الانتقالي الذي كان يقيم في فنادق الدوحة، فيما تبنت
قطر مع السعودية دعم تدخل الناتو وشاركت فيه، والذي بدوره لم يكن دوماً يعمل لصالح
الثوار، بل كان جلّ ما يريده هو تدمير البنى التحتية كلياً، الأمر الذي اقتضى منه إطالة
الصراع لعدة أشهر، وقد كان يمكن حسمه من الشهر الأول. وفي الثورة السورية تبنت قطر،
إلى جانب كل من تركيا وفرنسا، تأطير المعارضة في المجلس الوطني الذي يسيطر عليه
الإخوان المسلمون تماماً، وجعلته عبر شاشتها المتحدث الأوحد باسم الثورة، بل شوهت
الثورة من خلاله، بأن صورتها بأنها مجرد شعب يُقتَل ويطلب النجدة من المجتمع
الدولي، ومن أيٍ كان، وليس شعباً ثائراً قادراً على دحر أعتى الأنظمة فتكاً
واستبداداً.
العربية قامت بالمثل
تجاه الثورة الليبية، حيث شاركت السعودية في دعم تدخل الناتو أيضاً؛ وهي تدعم في
المعارضة السورية التوجهات الليبرالية، وتهتم بدور مخابراتي ضمن المعارضة، حيث يُعرف
الارتباط المفضوح لبعض الشخصيات المعارضة مع المخابرات السعودية، والذين يتصدرون
الحديث باسم الثورة في كل مناسبة وحدث (أشهرهم حكم البابا وعمار القربي وحَرمُه…)،
ولا تعترف العربية بالثورة السورية، بل تركز على أنها اقتتال أهلي طائفي، مليء
بالتطرف، وتسعى إلى ترسيخ ذلك، وكثيراً ما تعرض ملء شاشتها خرائط ملونة ومزركشة عن
تقسيم سورية إلى كانتونات طائفية وعرقية، لتأخذ دوراً تحريضياً في ذلك، دون
الاستناد إلى تحليل موضوعي عن إمكانية هذا التقسيم. كلا القناتين، الجزيرة
والعربية، تعتمان على ثورة البحرين وتدعمان تدخل قوات درع الجزيرة فيها، بحجة ردع
المد الشيعي الإيراني.
تظهر بوضوح وجلاء سياسة
كل من القناتين، عبر الموقف المتحيز كلياً وغير الموضوعي بخصوص الإطاحة بمرسي
والإخوان، واستلام الجيش المصري الحكم بقيادة السيسي؛ حيث أظهرت الجزيرة انحيازاً
كلياً للإخوان، يبرؤهم من المسؤولية، ويشيطن الجيش شيطنة مطلقة، ويتغاضى عن
الملايين التي طالبت بعزل الإخوان ومحاسبتهم؛ فيما أظهرت العربية انحيازاً كلياً
للجيش يبرر قمعه للمتظاهرين، ويشيطن الإخوان أيضاً، معتبرة أن الجيش يخدم الشعب
والثورة، فيما جاء انقلاب الجيش هذا مصادرة للثورة ومنعاً لها من أن تطور أدو]ت
نضالها.
بالعودة إلى سياسة
الدول التي تمول هاتين المحطتين، نتبين أن قطر، الدولة الصغيرة التي كانت سياستها
تابعة لمجلس التعاون الخليجي، أرادت أن تأخذ دوراً متمايزاً عن دور السعودية، بل
ربما منافساً لها، فدعمت فصيلاً سياسياً بعينه، وراهنت عليه وحده؛ والواضح أنها
خسرت الرهان، حيث لم ينجح الإسلاميون في ليبيا في الوصول إلى الحكم، فيما تتجدد
باستمرار الانتفاضة التونسية ضد حكم النهضة الإسلامي، وأطاحت الثورة في مصر بحكم
الإخوان بعد استفرادهم بالحكم، وفي الائتلاف السوري المعارض جرى تقليل تمثيلهم
لصالح التكتلات الديمقراطية والليبرالية، بعد تدخل أميركا والسعودية في أجندة
المعارضة، على حساب دور قطر وتركيا وفرنسا.
أما السعودية متزعمة
دول التعاون الخليجي، فسياستها وتدخلاتها أوسع من ذلك بكثير، فهي المملكة العجوز،
ذات الحكم الشمولي الرجعي الرأسمالي التابع، تخشى وصول الثورات إليها، حيث تنبني
سياستها تجاه الثورات على شقين: الأول تخريب الثورات ما أمكن عبر ضخ ودعم التوجهات
الجهادية بالمال والإعلام، وتبني خطاب طائفي عبر قنوات مختصة بذلك، يصور الثورة
على أنها ثورة السنة ضد محور الشر الشيعي الإيراني. والشق الثاني لسياستها هو دعم
الاستبداد والنهب والتوجهات الليبرالية التي ترسخ تراكم رأس المال والتبعية معاً؛
لذلك هي تدعم الأنظمة المستبدة من جهة، وتدعم التطرف الديني والطائفية من جهة
ثانية، وتدعم وصول الحكومات ذات التوجهات الليبرالية من جهة ثالثة، في سياسة شاملة
لمحاربة الثورات أو مصادرتها على كل الأصعدة، وموقفها هذا يتضمن جزئياً دعم
الإخوان والإسلاميين، وبالتالي هي تتضمن الموقف القَطَري وتتجاوزه؛ ينعكس الموقف
السعودي برمته في قناة العربية، ويفسر أجندة تلك القناة في دعم الاستبداد والنهب
وتشويه الثورات.
وحتى نكون منصفين،
وفي ظل غياب الإعلام الحر الموضوعي، لا بد من الاعتراف بدور إيجابي لتلك القناتين،
في نقل جزء مما يحدث، ولو كان جزءاً يسيراً، حيث استفاد الناشطون من الفرص المتاحة
للعمل عل نقل جزء مما يحدث، إذ وجدوا التمويل والمعدات لذلك؛ لكن تشويه الثورة
الأكبر يأتي عبر قوى وشخصيات المعارضة الباحثة عن الشهرة والنجومية عبر تلك
القنوات. وهنا الاستفادة من تلك القنوات تتم عبر التمييز بين نقل الخبر، وبين
الأجندات المطبقة في تحليله وقلبه بالشكل الذي يوافق مصالح الدول الممولة للمحطات،
ولا يوافق الثورات، بل يدعم ثورات مضادة في قلبها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث