فراس محمد
يعتبر تركمان سوريا أنفسهم المكون الثاني في سوريا بعد المكون العربي، حيث يؤكدون أن عدد التركمان في سوريا يتراوح بين 3 و3.5 مليون تركماني يتوزعون بشكل رئيسي في حلب واللاذقية وحمص وحماة والرقة والقنيطرة ودمشق، دون أن يكون هناك إحصائيات دقيقة تؤكد هذه الأرقام. وينقسم التركمان إلى قسمين: قسم مازال يتحدث اللغة التركية إلى الأن، وهم في معظمهم من القبائل التركمانية التي تعيش في الأرياف، في حين هناك قسم أخر يتكلم اللغة العربية واندمج بشكل كبير بالمحيط العربي، وخاصة في المدن الكبرى، حيث تشكل العائلات التي تنحدر من أصول تركية نسبة كبيرة في المدن الرئيسية في سوريا كدمشق وحلب وحمص وحماة.
أثارت قضية إسقاط الطائرة الروسية من قبل طائرات تركية على الحدود السورية التركية، أثناء استهدافها لمواقع الثوار في منطقة جبل التركمان، العديد من ردود الأفعال على المستوى الإقليمي والدولي. لكن ما كان ملفتا للانتباه هو تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأن “تركيا لن تبقى صامتة إزاء الهجوم الذي تشنه روسيا والنظام السوري على جبل التركمان”، مؤكدا في الوقت ذاته أنه “لا يوجد تواجد لتنظيم داعش على طول تلك الحدود، وفي منطقة جبل التركمان هناك تركمان فقط وكل من يقوم بقصف تلك المنطقة فإنه يعتدي على إخواننا وأخواتنا.
تزامنت هذه التصريحات مع الهجوم الواسع للسيطرة على جبل التركمان، وأعادت للواجهة الدور السياسي والعسكري الذي يلعبه التركمان في سوريا، بالإضافة لعلاقاتهم المميزة مع تركيا.
تركمان سوريا ومناطق انتشارهم
يقول الدكتور نضال عرب، عضو المكتب التنفيذي بمجلس تركمان سوريا، أن “التركمان يشكلون المكون الثاني بعد العرب في سوريا، حيث يقدر تعداد التركمان بين 3 و3.5 مليون تركماني ينتشرون في معظم المناطق السورية، لكن يتركز وجودهم في حلب وريفها وخاصة المنطقة الممتدة بين جرابلس واعزاز وهم يشكلون أغلبية في هذه المنطقة. بالإضافة لتواجدهم الكثيف في مدينة حلب في أحياء الهلك وبستان الباشا والحيدرية. كما يشكل جبل التركمان منطقة تركمانية صرفة في محافظة اللاذقية بالإضافة بعض القرى والبلدات الساحلية كبرج سلام وفي مدينة اللاذقية هناك أحياء كاملة ذات أغلبية تركمانية. أما في حمص وحماة فينتشر التركمان في مناطق عدة وخاصة في ريف حمص الشمالي وجنوب حماة بالقرب من منطقة الحولة ومنطقة تلكلخ وقلعة الحصن. وكذلك في مدينة حمص يشكل التركمان نسبة كبيرة من سكانها. ويتركز وجود التركمان في مدينة حمص في حي باب عمر حيث يشكلون 50% من عدد سكانه، وكذلك منطقة باب التركمان في حمص القديمة. كما ينتشر التركمان في منطقة الجولان المحتل ومحافظة القنيطرة المحررة، حيث نزح مجمل التركمان باتجاه أحياء الحجر الأسود والقدم والعسالي بعد احتلال اليهود لمرتفعات الجولان. أما في محافظة الرقة فيتركز وجود التركمان في منطقة تل أبيض. كما تشكل العائلات ذات الأصول التركية التي اندمجت بالمجتمعات المدنية السورية نسبة كبيرة من سكان المدن الرئيسية في سوريا”.
مازال أغلب تركمان الأرياف محافظين على لغتهم التركية، بينما اندمجت معظم العائلات ذات الأصول التركية في المدن الكبرى ولم تعد تتكلم اللغة التركية.
وحول موضوع اللغة، يقول الدكتور عرب أن “أغلب تركمان الأرياف مازالوا يحافظون على لغتهم التركية، وقد استطاعوا التأثير بشكل كبير على اللهجة العامية من خلال تداول العديد من الكلمات والمصطلحات ذات الأصول التركية. بالمقابل، اندمجت معظم العائلات ذات الأصول التركية في المدن الكبرى ولم تعد تتكلم اللغة التركية”.
تركمان اللاذقية وأحداث 1996
المهندس هيثم منلا علي، أحد مؤسسي المجلس التركماني السوري، يتحدث عن أحداث 1996، فيقول أن “النظام السوري كان ينظر دائما لتركمان اللاذقية على أنهم عملاء لتركيا، وكان يتحين الفرصة للانقضاض عليهم لأتفه الأسباب، وكان حصول 37 طالب من جبل التركمان على منح دراسية في تركيا سببا في شن النظام السوري حملة اعتقالات طالت أكثر من 420 مواطننا تركمانيا، معظمهم من الأطباء والمهندسين وأصحاب الشهادات العليا، بالإضافة لبعض التجار المرموقين. وكون موضوع الدراسة بتركيا لم يكن كافيا لشن هذه الحملة، فقد لفق النظام تهمة اغتيال أحد عناصر حزب المرتضى ليقوم بفعلته الشنيعة. وبسبب التعذيب الشديد، لقي اثنين من المعتقلين حتفهم، بينما قضى شخص ثالث بعد أسبوع من إطلاق سراحه، في حين أستمر اعتقال 12 شخصا لمدة 13 سنة، ليطلق سراحهم بعد ذلك. ولم تتوقف الأحداث عند هذا الحد، فقد زادت الأمور سوءا بعد أن قام السيد محمد ماتيش، وهو من جبل التركمان، بإبلاغ الجيش التركي عن مواقع تدريب قوات حزب pkk الكردي في جبل التركمان، تلاه قصف من قبل الجيش التركي لمواقع الحزب، مما تسبب بحملة أمنية شرسة شنها النظام ضد أبناء الجبل”.
تركمان سوريا والثورة السورية
شارك تركمان سورية في الثورة السورية منذ أيامهما الأولى، ولم تكن لهم أي مطالب خاصة مختلفة عن باقي مكونات الشعب السوري الثائر. لكن مع تحول الثورة إلى العمل المسلح، التحق التركمان بصفوف الجيش الحر، وهو ما دفعوا ثمنه باهظا، وخاصة في حمص حيث تعرض التركمان هناك، حسب عضو المجلس التركماني نضال عرب، إلى “ما يشبه حرب التطهير العرقي، وخاصة في باب عمر ومنطقة تلكلخ وبلدة الزارة وقلعة الحصن، حيث تم ارتكاب مجازر وحملة تطهير عرقي. بالإضافة للمجازر العديدة في ريف حمص الشمالي، وخاصة في قرية تسنين التركمانية التي ارتكبت قوات النظام فيها مجزرة بشعة بحق سكانها”. وأضاف عرب أن “التوزع الجغرافي للتركمان على خطوط التماس مع القرى العلوية في حمص كان السبب الرئيسي في ارتكاب هذه المجازر، بالإضافة للحقد الطائفي والعرقي ضد التركمان في هذه المنطقة. كما أن موقف الدولة التركية المساند لثورة الشعب السوري كان له أثر كبير على في ازدياد حدة العنف ضد التركمان في المنطقة الوسطى، بسبب اتهامهم بالولاء لتركيا. وهو ما ينطبق على تركمان الجولان وجنوب دمشق، فقد تعرضوا لحملات تهجير وانتقام شديدة من قبل النظام السوري بسبب انخراطهم المبكر في ثورة الشعب السوري”.
نضال عرب: إن التوزع الجغرافي للتركمان على خطوط التماس مع القرى العلوية في حمص كان السبب الرئيسي في ارتكاب المجازر بحقهم.
في حين أكد هيثم منلا علي، عضو المجلس التركماني، أن “جبل التركمان أو الباير بوجاق كما يسمونه، تعرض من بداية الثورة وانطلاق العمل المسلح إلى أبشع حملات القصف والتدمير، بهدف إركاع أهالي الجبل وثنيهم عن متابعة مسيرة الثورة السورية. لكن كل محاولاته باءت بالفشل، مما دفعه بالفترة الأخيرة لشن حملة عسكرية ضخمة بمساندة الطيران الروسي تهدف إلى كسر إرادة تركمان الباير بوجاق بهدف السيطرة عليه، حيث شارك بالعملية قوات البحرية والمشاة والطيران، لكن النظام لم يفلح حتى الأن بتحقيق أهدافه”. وعن سبب تركيز النظام بالتعاون مع الطيران الروسي على جبل التركمان، قال منلا علي أن “تركمان الجبل يشكلون حاجزا بشريا يحول دون فرض سيطرة الطائفة العلوية على مجمل محافظة اللاذقية. كما أن مشروع الدولة العلوية لن يكتب له النجاح طالما بقي الجبل صامدا، وأهل الجبل يدركون تماما أنه بحال سيطر النظام على الجبل فسيقوم بحملة تطهير عرقي في ريف اللاذقية بحق السكان التركمان”.
منلا علي: يشكّل تركمان الجبل حاجزا بشريا يحول دون فرض سيطرة الطائفة العلوية على مجمل محافظة اللاذقية
العمل السياسي التركماني
يمكننا اعتبار التركمان السوريين من القوميات والمكونات الاجتماعية المتأخرة جدا في العمل السياسي بالإطار القومي في سوريا، والذي بدأ بعد انطلاق الثورة بعدة شهور، وتحديدا في بدايات ٢٠١٢. فقبل هذه الفترة، كان العديد من التركمان السوريين منخرطين في العمل السياسي تحت مظلة قوى المعارضة المختلفة، بعيدا عن الطروحات والمطالب القومية الخاصة بالمكون التركماني. وكان أولى التنظيمات السياسية التركمانية هي حزب الحركة الديمقراطية التركمانية، الذي يرأسه الدكتور محمد وجيه جمعة، وزير الصحة الحالي في الحكومة المؤقتة، والكتلة الوطنية التركمانية التي يترأسها حاليا السيد تورغاي ملا موسى. كما تم تمثيل المكون التركماني بممثلين في الائتلاف الوطني لقوى الثورة من خلال السيد يوسف محلي عن حزب الحركة الديمقراطية التركمانية، والسيد حسين العبدالله عن الكتلة الوطنية التركمانية.
وفي الـ 30 من آذار عام 2013، تم الإعلان عن تأسيس مجلس تركمان سورية كممثل للمكون التركماني في سوريا، حيث ضم أهم التنظيمات السياسية التركمانية بالإضافة لمستقلين، وذلك خلال مؤتمر عقد لمدة 3 أيام في مدينة أنقرة، بحضور رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان، ووزير خارجيته أحمد داود أغلو، وأنتخب سمير حافظ رئيسا للمجلس، خلفه بعد ذلك السيد عبد الرحمن مصطفى خلال المؤتمر الثاني الذي عقد في العاشر من أيار عام 2014.
المواقف السياسية لتركمان سوريا
يؤكد السيد عبد الرحمن مصطفى، رئيس المجلس التركماني السوري، على أن “المواقف السياسية لتركمان سورية تنطلق من هدفين أساسيين:
الأول هو وحدة التراب السوري، حيث يعتبر الخطر الأكبر الذي يهدد تركمان سوريا هو التقسيم، بسبب التوزع الجغرافي لتركمان سوريا على كامل التراب السوري. وهو ما يعود هذا إلى سياسة الدولة العثمانية في وضع التركمان على طول طريق الحج من جهة، مما ساعد على انتشارهم في خطوط التماس بين باقي مكونات المجتمع. فتركمان حلب يشكلون حدا فاصلا بين مناطق الأكراد في عفرين وأكراد الجزيرة السورية، وذلك في مناطق جرابلس واعزاز، كما أنهم يشكلون صلة وصل بين العرب والأكراد في نفس المنطقة. في حين يشكل تركمان اللاذقية حدا فاصلا بين مناطق العلويين في جبال اللاذقية والعلويين في منطقة لواء اسكندرون، في حين ينتشر تركمان حمص على خطوط التماس بين المناطق العلوية والمناطق العربية. ونفس الكلام ينطبق على تركمان الجولان، حيث يعتبرون حدا فاصلا بين مناطق الدروز في جبل الشيخ ومناطق العرب في الجولان. وهذا التوزع الديموغرافي لتركمان سوريا جعل من فكرة تقسيم سوريا أحد أكبر الأخطار التي تهدد وجود التركمان في سوريا.
أما الهدف الثاني لتركمان سوريا فهو حصول التركمان على حقوقهم الكاملة والاعتراف الدستوري بهم كمكون أساسي من مكونات الشعب السوري ضمن دولة مواطنة يعيش فيها الجميع تحت سقف القانون، دون أن يكون هناك تمييز بين مكونات الشعب السوري على أساس الدين والعرق”.
المصطفى: المجلس التركماني يعتبر الائتلاف الوطني الممثل الشرعي للشعب السوري، رغم عدم تمثيل التركمان بالشكل الذي يتناسب مع عددهم وتضحياتهم في ثورة الشعب السوري.
وفي ما يخص العلاقة مع تركيا، يؤكد المصطفى أنها “لا تتجاوز حدود التعاطف الشعبي والحكومي مع ما يتعرض له تركمان سوريا. لكن تركيا تقف على مسافة واحدة مع جميع أبناء الشعب السوري، ولا تميز مكوننا على حساب أخر. ولو كانت تحابي التركمان على حساب المكونات الاخرى لكانت دفعت باتجاه تمثيل أكبر للتركمان في مؤسسات المعارضة السورية، خاصة أن معظم مؤسسات المعارضة السورية في تركيا. لكن تركيا ترى الأمور من منظور سياسي وأنساني أوسع، ولا تحابي مكونا على حساب الأخر”.
وحول مؤتمر الرياض الأخير، فقد اعتبر بعض السياسيين التركمان بأن هناك محاولات لتهميشهم كون الوفد المفاوض الذي تم الاتفاق عليه لم يضم أي ممثل عن التركمان، بالرغم من أن التركمان كانوا ممثلين في المؤتمر من خلال رئيس المجلس التركماني عبد الرحمن مصطفى وعضو الائتلاف يوسف محلي.
العلاقة مع الأكراد
تعتبر العلاقة المتشنجة بين الأكراد والتركمان أحد أهم ملامح المشهد السياسي والعسكري في الشمال السوري. وفي هذا الخصوص، يؤكد السيد حسين العبد الله، عضو الائتلاف الوطني عن المكون التركماني وعضو الكتلة الوطنية التركمانية، أن “العلاقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكرديPYD شهدت مرحلتين أساسيتين؛ المرحلة الأولى مرحلة الخلاف السياسي حول التعاطي مع الثورة السورية، لأن التركمان انخرطوا في صفوف الثورة السورية بينما بقي موقف الـPYD مواربا مع علاقات واضحة مع النظام السوري الذي نسحب من المناطق الكردية وسلمها لوحدات حماية الشعب. لكن طول هذه الفترة لم يكن هناك أي صدام بين الطرفين وبقي الخلاف سياسيا، ولم يستغل التركمان علاقاتهم المميزة مع الحكومة التركية للتعدي على الأكراد طول تلك الفترة. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة سيطرة قوات الحماية الشعبية على منطقة تل أبيض، وما تلاها من حملات تهجير بحق المكون التركماني واتهامه بالتواطؤ مع تركيا ضد الأكراد، بالإضافة للتصريحات الكردية التي تعتبر منطقة تل أبيض منطقة كردية مستفزة مشاعر الناس الذين يدركون تماما أنهم أبناء هذه المنطقة منذ مئات السنين. ولم يكتف الأكراد بذلك، بل أدلى رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي PYD صالح مسلم، بتصريحين شديدي الخطورة على مستقبل التعايش بين التركمان والأكراد في الشمال السوري، حيث قال في التصريح الأول أن التركمان في المنطقة الممتدة بين اعزاز وجرابلس لا تتجاوز 7 قرى، وفي التصريح الثاني قال أن 50% من المنطقة المذكورة هم من الأكراد، خاصة أن هذه المنطقة تعتبر مركز الثقل الأساسي لتركمان حلب، وهو ما فسر على أنه رسالة تهديد لوجود التركمان في سورية بشكل عام، مما جعل التركمان السوريين يعتبرون تصريحات صالح مسلم تصريحات عدائية تهدف إلى بسط نفوذه على هذه المنطقة، والتي تعتبر مركز ثقلهم في الشمال السوري، وأكد العبد الله بأن “مواقف التركمان المعادية لتوجهات حزب الـ PYD تأتي في إطار ردة الفعل على هذه المواقف السلبية”
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث