خضر الأغا
عندما كنا صغاراً، وكنا نتشاجر، كنا نقول لبعضنا: بشوفك عند التل. والتل مكان بعيد عن البيوت. ذلك يعني أنني أراك عند التل، في ذلك المكان البعيد بحيث أنني سأوسعك ضرباً ولن تجد أحداً ينقذك من بين يدي. عندما كنا صغاراً، لم يكن أحد منا يذهب إلى التل، ويبقى التهديد نوعاً من تأجيل المشاجرة التي لم نكن نقوى عليها أصلاً. في كل حارة من حارات المدن يوجد مكان ناء، وبعيد عن البيوت يهدد فيه الصغار بعضهم، ويتخذونه حجة مناسبة لعدم الخوض في المشاجرة ولتأجيلها، والتأجيل يعني الإلغاء.
بعد قيام تركيا بإسقاط الطائرة الروسية، لم يتوقف زعيم المافيا بوتين عن تهديد تركيا بأنه سيراها عند التل، هو يعرف أنه لا يستطيع مواجهتها عسكرياً، فهي عضو في حلف الناتو، عدا أن أمريكا قالت إن تصريحات بوتين تجاه تركيا سخيفة، الأمر الذي يعني عدم السماح له بمشاجرة عسكرية مع الحليف التركي، لذلك فإن بوتين يتوعد تركيا بأنه سيراها عند التل، ويعني أيضاً أنه لن يذهب إلى التل، إذ ليس بمقدوره ذلك.
لكن الكبار يلعبون عادة وفق قواعد وشروط تختلف عن لعب الصغار. ففرنسا، بعد الهجمات الإرهابية على أراضيها وتبني داعش لها، قالت لداعش: سأراك عند التل، وقام حلفاء فرنسا بتأييدها وقرروا مواجهة داعش عند التل أيضاً. فبريطانيا أحالت تلك المواجهة إلى برلمانها ليقرر فيما إذا كانت ستذهب إلى التل أم لا، وقد وافق على ذلك، علماً أنه عندما ضرب النظام السوري الغوطة الشرقية بالكيماوي، اجتمع مطولاً وناقش بالتفصيل كل شيء، وقرر أنه غير موافق على أن تشترك بريطانيا بمواجهة النظام عسكرياً، والإطاحة به، فبدا أنه يمكن للنظام ضرب الناس بالكيماوي، ولا يمكن لداعش ضرب الفرنسيين دون عقاب.
كذلك الأمر في ألمانيا التي وقفت قبل ذلك موقفا سلبياً من دعم الجيش الحر بالسلاح، قبل ظهور داعش بكثير، ورفضت تسليحه باعتبار أن ألمانيا خاضت حربين عالميتين، وتدمرت بالثانية، لذلك لم تزل تقف ضد الاشتراك بالحروب، وضد تمويل أطرافها بالسلاح، لأن ذلك يشكل حساسية بالغة لدى الشعب الألماني الذي يكره، أكثر ما يكره، الحروب، بعد تجاربه الفاشلة معها، لكنها وافقت على الاشتراك بالحرب ضد داعش، وقالت إنها ستراها عند التل…
الكبار يلعبون ألعابهم القاتلة، يؤجلونها كثيراً، لكن، غالباً، لا يلغونها. إنهم يبحثون دائماً عن تلٍّ يذهبون إليه، وعادة يجدون هذا التل. لكن يشترط في هذا التل أن يكون بعيداً عن بيوتهم هم، عن ناسهم هم، غير آبهين بمن هو قريب منه طالما أنه ليس هم! النظام السوري حول سوريا إلى هذا التل الذي يأتي إليه من شاء أن يتشاجر، يمكنه أن يأتي إليه بكافة صنوف الأسلحة، أولها الطائرات، ونحن نرى أنه حوّل سماء سوريا إلى خطوط طيران لا تتوقف عن الحركة على مدار الساعة، طائرات من كل الأنواع، وللجميع: للأصدقاء، وحتى لمن كان يقول إنهم أعداءه… النظام، أصلاً، ن يتشاجرأن يتشاجر ينظر إلى سوريا كلها على أنها تل للمشاجرة، ولغير ذلك، تل يصلح لكل شيء طالما أنه بعيد عن قصره وقصر زبانيته، ولكي يبقى على عرشه المنصوب على دم السوريين، قال للعالم إن لديه تلاً للصراع، وإن هذا التل هو سوريا. ودعاه ليتشاجر عليه، ولأن العالم يبحث فعلاً عن تل، فقد نفذ تهديداته تجاه بعضه، وأتى إلى التل السوري.
هذه المرة، التل ليس بعيداً ونائياً، إنه أجساد السوريين أنفسه
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث