أحمد حمزة
منذ اللحظات الأولى للقصف الروسي في سورية (فجر 30سبتمبر/أيلول الماضي)، أدت الهجمات الجوية إلى سقوط عشرات الضحايا المدنيين بريف حمص الشمالي، كما أماطت تلك الغارات اللثام عن هدف روسيا الحقيقي، في عزمها استهداف مناطق سيطرة المعارضة السورية، لا تنظيم “الدولة الإسلامية”، فتتالى القتلى والجرحى المدنيون. لكن الأسبوع الماضي شهد تصعيداً روسياً غير مسبوق، في قصف الأحياء السكنية شمالي البلاد، والمرافق الحيوية والخدمية، التي تخفف على المدنيين وطأة ظروف الحرب، فكان السوريون ضحايا جدد للغارات الروسية.
آخر هذه المجازر الروسية وأكثرها وحشية، كانت في مدينة أريحا بريف إدلب الجنوبي، إذ عاشت المدينة صباح الأحد الماضي، ساعات دامية، بعدما استهدفت طائرة روسية سوقاً هناك، ما أدى لسقوط نحو أربعين قتيلاً مدنياً بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن عشرات الجرحى.
وقبلها بيومٍ واحد، أدت غارة روسية استهدفت بلدة بنش بريف إدلب الشمالي الشرقي، إلى مقتل وجرح ما لا يقل عن عشرين مدنياً، كانوا في منازلهم الواقعة إلى الجنوب من البلدة، والتي من المفترض أنها مشمولة بالهدنة التي تم التوصل إليها في أيلول/سبتمبر الماضي، بين “حركة أحرار الشام الإسلامية” من جهة، ومسؤولين إيرانيين من جهة ثانية، وتقضي بوقف “جيش الفتح” عملياته العسكرية بكفريا والفوعة، مقابل أن ينهي النظام وحزب الله اللبناني هجومهما على مدينة الزبداني بريف دمشق.
كما أن الاتفاقية التي من المفترض أنها ستمتد لستة أشهر، نصت على أن يوقف النظام قصفه لبلدات بنش، تفتناز، طعوم، معرة مصرين، رام حمدان، وزردنا، وشلخ في إدلب، وكذلك مناطق مضايا، سرغايا، بقين بريف دمشق.
وكانت الأيام السابقة قد شهدت أيضاً، تكثيف روسيا، لغاراتها على البلدات الحدودية مع تركيا، والتي لطالما وصفت بالآمنة. فقد جاء إسقاط الطائرة الروسية، ومقتل أحد طياريها، كعاملٍ يبدو أنه دفع بموسكو، لتزيد وتيرة استهدافها للمرافق الخدمية والحيوية.
جاء إسقاط الطائرة الروسية، ومقتل أحد طياريها، كعاملٍ يبدو أنه دفع بموسكو، لتزيد وتيرة استهدافها للمرافق الخدمية والحيوية.
فمنذ اليوم التالي لإسقاط طائرة “اف 16” التركية لـ “سوخوي 24” الروسية، استهدفت موسكو، قافلة شاحنات كانت تحمل موادا تجارية وإغاثية عند معبر باب السلامة، قرب مدينة أعزاز الحدودية مع تركيا، ما أدى يومها لمقتل خمسة مدنيين على الأقل.
بعد ساعات فقط، وفي السادس والعشرين من الشهر نفسه، عاد الطيران الحربي الروسي، ليشنّ غارات جديدة استهدفت مدينة أعزاز، وهي آخر مدن ريف حلب الشمالي قبل الحدود التركية، ومن المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية، وتُعتبر آمنة نسبيا بسبب موقعها الحدودي، كما تدخل منها البضائع والمواد الغذائية والتجارية إلى مناطق عديدة شمالي سورية.
وشهد اليوم نفسه، استهداف الطيران الروسي بأربع غارات، بلدة سرمدا الواقعة في أقصى ريف إدلب الشمالي، المتاخمة للشريط الحدودي مع تركيا، ويقصدها آلاف المدنيين، كونها كسابقتها، بقيت لفترات طويلة، بعيدة عن صواريخ الطيران الحربي.
في اليوم ذاته أيضاً، سقط ضحايا مدنيون، بغارة روسية استهدفت سوق الهال قرب قرية عويجل في الريف الغربي، كما استهدفت هجمات مماثلة، مناطق قريبة من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا.
وكان واضحاً أن روسيا، اعتزمت استهداف معبري باب السلامة في ريف حلب الشمالي، وباب الهوى في ريف إدلب الشمالي، كونهما شرياني حياة للمدن والبلدات السورية الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة، إذ تدخل عبرهما قوافل المساعدات الإنسانية لآلاف النازحين السوريين المنتشرين في مخيمات على الحدود، وخصوصاً مخيمات أطمة التي باتت تضم أكثر من 300 ألف نازح وفق ناشطين، إثر نزوح نحو 150 ألفاً خلال الشهر الفائت والحالي من ريفي حلب وحماة نتيجة القصف الروسي المكثف لمناطقهم.
كان واضحاً أن روسيا عزمت استهداف معبري باب السلامة وباب الهوى كونهما شرياني حياة للمدن والبلدات الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة
كما أغارت الطائرات الحربية الروسية السبت الماضي، على موقف لسيارات الشحن في بلدة الدانة الحدودية مع تركيا، والتي من المعروف أنها مركز تجاري، إذ كانت تستثمر لهدوئها النسبي، وقلة استهدافها بالقصف لأغراضٍ تجارية، سيما أنها متاخمة للحدود التركية -السورية.
وكان رئيس الائتلاف الوطني السوري خالد خوجة أكد في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، أنّ “نحو 2977 مدنياً قُتلوا في سورية بعد 53 يوماً من التدخّل الروسي، بينهم 550 نتيجة الضربات الروسية”، مشيراً إلى أنّ “عدد الغارات الروسية بلغ 2943 غارة، تم فيها استهداف ثلاث مدارس، و14 مستشفى، ومعمل أدوية، ومعملاً للصناعات الغذائية”.
وتؤكد تصريحات رسمية غربية وتقارير دولية، أن الطيران الروسي يتعمد على ما يبدو، استهداف المناطق المدنية والمنشآت الخدمية والمستشفيات في مناطق سيطرة المعارضة السورية، إذ قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي بداية هذا الشهر، إن “المعلومات الخاصة لدى الولايات المتحدة تقود المسؤولين الأميركيين إلى الاعتقاد بأن طائرة تابعة للجيش الروسي أصابت مستشفيات أثناء عمليات قصف في سورية”، مشيراً إلى أن “معلومات أخرى تفيد بأن الغارات الروسية لا تستهدف فقط تنظيم الدولة الإسلامية، وإنما تؤدي إلى أضرار جانبية وإصابات في صفوف المدنيين”.
وذهب تقريرٌ لمنظمة “أطباء بلا حدود” أواخر الشهر الماضي، للتأكيد على أن “الضربات الجوية في شمال سورية أصابت 12 مستشفى على الأقل في الأسابيع الأخيرة، مما أسفر عن مقتل 35 من المرضى والعاملين بالقطاع الطبي في تصعيد جديد للقتال”. وعلى الرغم من أن تقرير المنظمة الدولية لم يسمِ الطائرات الروسية، إلا أنه من المعلوم، بأن سلاح الجو الروسي، يشن غارات كثيفة في مختلف أنحاء المحافظة منذ نحو ثمانية أسابيع.
وبات واضحاً بعد كل ما تم ذكره، إن المقاتلات الحربية الروسية، ومنذ بدء قصفها في سورية، لم تتوقف يوماً عن استهداف الأحياء السكنية والمرافق الخدمية الحيوية للمدنيين السوريين. إذ أن فشل الحملة البرية التي شنتها قوات النظام، بالتزامن مع بدء الغارات الروسية، ومن ثم سقوط “سوخوي 24″، ترجمته القوات الروسية من خلال انتقامها من المدنيين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث