الرئيسية / رأي / المجزرة

المجزرة

ثائر الزعزوع

قليلة هي المرات التي
رأى فيها العالم مشاهد مثل تلك التي بثتها القنوات الفضائية صباح الأربعاء
21-8-2013 في مختلف دول العالم، أقصد ذلك الكم الكبير من الضحايا دفعة واحدة،
وبنقل مباشر تقريباً، بل إن بعض الضحايا تم التقاط صورهم وهم يفارقون الحياة، وإن
تكن التعليقات التي رافقت الصور زادت في هول الفاجعة، ومن بينها شهادات لأشخاص
فقدوا أحباءهم، بل إن أباً مفجوعاً كان يهز ولده الذي لفظ أنفاسه للتو كي يعود
للحياة، لكنه لم يعد بطبيعة الحال، كما الضمير العالمي…

ما يميز مجزرة
الغوطتين، هو أنها فاجعة ترقى بسهولة لتصنف ضمن المجازر التي ارتكبها طغاة في
التاريخ، وفي مقاربة أولى فإنها تحيلنا إلى ذكرى مجزرة حلبجة عام 1988 ومجزرة
سيربنيتشا عام 1995، وكلتاهما شكلتا منعطفاً تاريخياً وحاسماً سواء بالنسبة لأكراد
العراق، أو بالنسبة للصراع الذي كان دائراً في البوسنة، والذي أفضى إلى تدخل أممي
بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

المجزرة السورية
اليوم فتحت الباب واسعاً أمام تكهنات وتكهنات، وقراءات وتحليلات حول الجاني، وهدفه
من ارتكاب مثل هذا العمل اللاأخلاقي أولاً، واللامنطقي ثانياً وخاصة في ظل وجود لجنة
دولية “للتدقيق” حول استخدام السلاح الكيماوي في سوريا، علماً أن مقر
إقامة تلك اللجنة لا يبعد في أسوأ الحالات عن المكان الذي ارتكبت فيه “مجزرة
الغوطتين” سوى نصف ساعة.

والحقيقة التي ينبغي الالتفات إليها أن
“الجاني” وهو هنا بلا أدنى شك نظام الأسد، يستظل بعباءة روسية كتيمة،
قادرة على حجبه عن أية مساءلة مهما كانت كبيرة أو صغيرة، بل إنها – العباءة
الروسية- مستعدة على ما يبدو للتصادم مع الولايات المتحدة الأميركية، في سبيل
إبقاء الأسد فاعلاً مستتراً لعديد الجرائم التي ارتكبت، وترتكب في سوريا منذ
انطلاق ثورتها العظيمة عام 2011.

وإن كان الصراع العسكري مستبعداً بين القطبين
العالميين، إلا أن الصراع الدبلوماسي على أشده طالما أن إدارة أوباما، وهي التي
فشلت مراراً في هذا الصراع ما زالت مصرة على سلوك الطريق الأممي، أي عبر بوابة
مجلس الأمن المغلقة بحرص شديد من قبل الدب الروسي، والحقيقة التي ينبغي ألا تكون
غائبة عن أذهان الكثيرين هو أن الروس كانوا قد ارتكبوا في الشيشان سلسلة من
المجازر التي استخدموا فيها أسلحة دمار شامل، وقد تمكنوا- بفعل تصنيفهم من بين
الكبار- من النجاة من المساءلة أو المحاسبة، أضف إلى ذلك أن الصين وهي الغطاء
الثاني لنظام الأسد، عمدت إلى ارتكاب مجزرة مروعة في ميدان السماء، أو ساحة تيانانمن،
وكما هو حال الروس فقد سلم الصينيين من أية مساءلة دولية، واكتفى المجتمع الدولي
بالاستنكار والتنديد، وربما مقاطعة لم تلبث أن اهتزت بفعل العلاقات التجارية
المتبادلة.

والحقيقة أن مجزرة
الغوطتين، والتي تشير كافة ردود الأفعال الدولية إلى أن مصيرها سيكون شبيهاً بمصير
سواها من المجازر التي ارتكبتها قوات النظام، بدءاً بالحولة صيف العام 2012،
مروراً بدير بعلبة واعزاز، وصولاً إلى البيضا في بانياس، وخاصة في ظل الشد، والجذب،
والمماطلة، ودخول الروس بقوة على الخط، ليوجهوا أصابع الاتهام إلى الثوار بافتعال
المجزرة لتشويه سمعة النظام، وكل ذلك سيفضي بالضرورة إلى تجميد المسألة برمتها
والتسويف في التعليقات إلا إذا..

وهنا ينبغي لنا التوقف
كمتابعين قليلاً، لأن هذه الـ”إلا إذا” لها دلالات كثيرة في علم السياسة
الدولية، فالروس رفعوا- وكما هو واضح- فاتورتهم إلى أعلى رقم يمكن الوصول إليه،
ويبدو أن العطاءات المقدمة في الكواليس بدأت تسيل لعابهم، خاصة في ضوء معرفتهم
المسبقة، وإدراكهم شبه المؤكد أن نظام بشار الأسد ساقط لا محالة عاجلاً أم آجلاً،
وأن التخلي عن ورقته أو “إحراق كرته” كما يقال في العامية قاب قوسين أو
أدنى، ولعل التحليلات الكثيرة التي انهالت وما زالت تنهال من هنا وهناك تشي بما لا
يدع مجالاً للشك أن الموقف الروسي، وإن بدا متشدداً، إلا أنه آخذ في التبدل شيئاً
فشيئاً، وقد يكون الروس دفعوا النظام الأحمق لارتكاب مثل هذه المجزرة المروعة كي
ينفضوا أيديهم منه في أقرب فرصة ممكنة، كل شيء وارد وهذه مجرد تكهنات.

الأمر اللافت، هو أن
إعلام النظام والذي تعامل كعادته بمبدأ النعامة واستمر ساعات ينكر أن تكون وقعت أي
“مجزرة” في الغوطتين، بل ووصل الأمر أن يظهر متحدث باسم قوات النظام
ليتلو بياناً يكذب فيه كل ما أذيع من أخبار، وما تم بثه من صور، ثم ليعلن وزير
إعلام النظام أن كل ما يراه “المشاهدون” ليس سوى فبركات من قبل قنوات
التحريض الإعلامي، وبعدها ليجد نفسه أمام حقيقة صادمة مصدرها موسكو تعترف بوقوع
هجوم كيماوي في غوطة دمشق، لكن طبعاً موسكو تتهم الثوار بارتكاب مثل هذا الهجوم…

ليتطاير بعدها كل ذلك
الإنكار، وتبدأ سردية المؤامرة الكونية التي لا تنتهي، ومن عجائب الإعلام أن يثبت
التلفزيون السوري، وعلى مدى يومين في شريطه الإخباري خبراً مفاده أن الصور التي
تبثها الفضائيات هي لمقاتلين قام زملاؤهم بتكفينهم ليتهموا الجيش بارتكاب مجزرة في
غوطة دمشق.. فما هذا الخيال الدرامي الذي لا ينتهي؟!

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *