دمشق – تيم الشامي
ليس
سحرها القديم هو الذي يمنحها الميزات التي تملكها اليوم، بل سحرها الجديد، ما يبدو
أنه قوة إلهية تحميها من الشرور التي أبادت مدناً بكاملها، ليست رائحة الياسمين التي
لا زالت تفوح متجاهلة ابتذالها من قبل مثقفيها الذين هجروها، بل انعدام رائحة البارود
والموت فيها، بعض البندقيات لا بد من وجودها، سوى ذلك يجعلها منفصلة عن واقع البلد
الذي شاءت الأقدار أن تكون جزءاً منه، بندقيات تعسة، بالكاد تفارق كراسي الحواجز التي
تحملها، في حين يجلسون بالقرب من بعضهم البعض تحت أقرب سقفٍ ليحتموا من الشمس الحارقة
التي تبدو قاسية هذا العام على غير عادتها في الأزقة الباردة عادةً، هي المنفذ الأخير
لمن أراد أن ينسى لعدة ساعاتٍ سنتين ونصف السنة من الموت، هي كما عرفناها دائماً دمشق
القديمة.
كهفٌ
يلجأ له الفن
إضافة
للنوادي الليلية التي توقفت احتراماً للشهر الفضيل، ولكن لم تتوقف احتراماً للحرب،
تتناثر بقايا الفن الدمشقي هنا وهناك بين الجدران العتيقة التي لم تتمكن القذائف القريبة
من زحزحة حجارها عن بعضها البعض، مئات الشباب الصغار في العمر نزحوا عن مناطقهم ومدنهم
الراضخة بقسوة تحت نير الحرب التي لا ترحم منزلاً أو مسنداً للرسم، دمشقُ القديمة كانت
ملجأهم، لسهولة التنقل فيها بعيداً عن الاختناق المروري الذي أزهق الهواء خارج أسوار
المدينة القديمة، ولقلة طلب الهوية الشخصية ما يمنح بعض الراحة النفسية لأولئك الهاربين
من بطش جداولٍ تحوي أسمائهم.
على
عكس الفنانين السوريين الذين ملؤوا الدول المجاورة وغير المجاورة، لا يملك فنانو دمشق
القديمة الحرية التامة للحديث عن ألم بلدهم كأولئكَ، مضطرون لصناعة فنٍ معزولٍ (بالضبط
كالمدينة القديمة التي يصنعون فنهم فيها) عما حوله من موتٍ ودماءٍ وحروبٍ، أمسياتٌ
شعرية بالكاد تلمح أشعارها لأصوات القذائف والمدافع التي تقاطع من يلقي الشعر، الأغاني
بالكاد يُسمح لها أن تتغنى بدماء الشهداء الذين يسقطون بصوت القذيفة التي تقاطع عازف
الإيقاع كل حينٍ وحين، ولكن يأبى هؤلاء إلا أن يزرعوا بذور فنهم في تربة بلدهم، بعضهم
مختاراً وبعضهم الآخر مجبراً.
مكتظة…
رغم الدولار والهاون
لا
تخلو مناطق دمشق القديمة – وخصوصاً الشرقية منها – من زيارات قذائف الهاون، وحملات
الاعتقال كل حينٍ وحين، ولكنها بقلتها وتباعدها زمنياً لا تعدو كونها موضوعاً جديداً
للحديث بهِ في السهرات التي تطول صيفاً بحثاً عن بعض النسمات الباردة، وسرعان ما تعود
الأحاديث إلى الموضوع الثابت أبداً من غلاء الأسعار واحتقار التجار الذين لا يسايرون
حركة الدولار بأسعارهم إلا صعوداً، ورغم ذلك تبدو الحياة طبيعية في النهار في الأسواق.
أسواق
المدينة القديمة لا زالت على ازدحامها، مزيدٌ من باعة الطرقات (البسطات)، مزيدٌ من
المتسولين، ولكن ضجيجٌ أقل، متسوقو الواجهات دون أن يدخلوا للشراء باتوا أكثر من أي
وقتٍ مضى، فقط محالٌ قليلة لا زالت تملك الجرأة لإعلان أسعارها على واجهاتها، وفي حين
يتفاخر بأسعاره المنخفضة على الأقل قياساً للسعار الذي أصابها عند غيره، فإن الآخرين
يجلسون بهدوءٍ، منتظرين مرور بعض الزبائن للسؤال، أقل حماسةٍ من أي وقتٍ مضى، يشغلون
وقتهم بالتلفاز طوال النهار، منهم يتابع كل مسلسلات رمضان دفعةً واحدة، ومنهم من يتابع
الأخبار على القنوات المغرضة برأي النظام، غير مكترثين بعد الآن باحتمال أن يتعرضوا
للمضايقات بسبب ذلك من زبونٍ لا يحمل هوية مدنية.
ملجؤنا
الأخير
معظم
مقاهي دمشق القديمة لم تغلق أبوابها حتى الآن، الكثير منها غير مواعيد بدء العمل وانتهائه،
لتحصره باثنتي عشرة ساعة بعد أن كان بعضها يعمل ليلاً نهاراً دون إغلاق، ورغم انخفاض
الإقبال عليها إلى أسوأ حالاته في الصيف، إلا إنهم مصرين على الاستمرار، في ما يبدو
رهاناً على هدوء مقبلٍ أكثر منه محاولة لتحدي الحرب، معظم أحياء دمشق القديمة التي
تحوي عشرات آلاف النازحين بصورٍ مختلفة بدأتْ تفقدُ طابعها الطائفي المعروفة به بحكم
توافد آلاف المستأجرين المهجرين، خصوصاً المسيحية منها، والتي يستغل المسلمون المقيمين
فيها ميزة استمرار محال الطعام بالعمل في شهر رمضان وضياع الطابع الطائفي للمنطقة مع
تواجد عشوائي لأبناء جميع الطوائف من مستأجرين وسكان أصليين وأصحاب محال، متخلصين من
العار الاجتماعي الذي كان قد يتبعهم في مناطقهم الأصلية للمجاهرة بالإفطار أو لتناول
الكحول، ومتخلصين في الوقت نفسه من ذكرياتِ ألمهم في مناطقهم التي باتت بالنسبة لهم
مجرد عناوين في نشراتِ أخبارٍ أو صفحات إنترنت.
مع
انحسار الفسحة الهادئة نسبياً من دمشق كل يوم، يبدو أن دمشق القديمة ستحافظ على كونها
ملجأ الشعب المتعب، وسواءَ تعرضتْ للهدم أم لم تتعرض، فإنها ستثبت بالتأكيد أنها لن
تصبح جزءاً مهشماً من المدينة مخصصاً للسياح، وأن تلك المدينة التي اتسعت بجنونٍ من
حولها ستعود إلى داخل السور من جديد عند الشدائد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث