رانيا مصطفى
يحتدم خلافٌ بين مثقفين سوريين، ليبراليين ويساريين، حول توصيف الثورة
السورية وأسبابها وأهدافها؛ فهناك رهطٌ واسعٌ من الناشطين، الذين تحدّثوا باسم
الثورة، ووصفوها بأنّها ثورةٌ للحرية والكرامة. ورغم سموّ وجاذبية الكلمات المكوِّنة
لهذا الوصف، خاصّة لمواطنٍ يعيش تحت حكمٍ أمنيٍ مستبدٍ بامتياز، إلا أنّها كلماتٌ
متسرعةٌ لتوصيفٍ لا يتضمَّن وعياً وإلماماً كافيين بالأسباب العميقة للثورة، وبأهدافها.
وبالوقوف عند أسباب الثورة أطرح التساؤلَ: “لماذا لم يثرِ الشعبُ
على النظام في عهد حافظ الأسد، والذي كان أشدَّ استبداداً وتذليلاً للمواطنين منه
في عهد ابنه بشار؟ فما الذي حدّد لحظة الثورة في 2011، وجعلها تتجذَّر بهذه القوّة
والاتّساع، رغم القمع الهمجي الذي قوبلت به؟
الواقع أن استمرارَ نهبِ الشعب من قبل البورجوازية الحاكمة في سورية،
القديمةِ منها والجديدةِ المتشكلةِ بفعل نهبِ مؤسساتِ الدولة طيلة عقود، اقتضى أن يُفرَضَ
على الشعب جرعةٌ كبيرةٌ من التحديثات النيوليبرالية منذ 2007، تمثّلت في تحرير
الاقتصاد بشكل أكبر ممّا كان، فتدفّقت البضائعُ المستوردةُ من الصين وتركيا، ثمّ
من الاتّحاد الأوروبي، وتمَّ توجيهُ الاقتصاد إلى الاستثمارات الخاصة، الخليجية
خصوصاً، حيث الربحُ السريع، الذي يُجنى من المرافق الخدمية، لا الإنتاجية،
كالفنادق والمنشآت السياحية والمولات والمصارف…، والتي تشغّل نسبةً متدنيةً من
العمالة الوافدة إلى سوق العمل، وباستغلال كبير. هذه التحديثات النيوليبرالية
اقتضت من الحكومة جملةَ إجراءات لسدّ العجز الحاصل في الموازنة جرّاء الانفتاح
الاقتصادي، تمثّلت في زيادة الضرائب، التي باتت تشكل حوالي نصف المالية العامة،
وكذلك في إلغاءٍ تدريجيٍ لدور الدولة الاجتماعي، الذي كان يؤمّن التعليم والطبابة
المجانيين، وفي رفع سعر المحروقات والأسمدة، الذي أثر مباشرة على المنتوج الزراعي،
الذي كان يستوعب عدداً لا بأس به من اليد العاملة في الريف. كل ذلك سبّبَ زيادةً
كبيرةً في البطالة والفقر، وبدأت الطبقةُ الوسطى بالانحسار، لصالح تركّزِ الثروات
الفاحشة في أيدي قلة من مافيات رجال الأعمال، مقابلَ عددٍ هائلٍ من المعوزين.
لم يصل الفقر بالسوريين درجةَ
المجاعة مطلع العام 2011، فقد ظلّ الخبزُ مدعوماً، وكذلك السكر والأرز؛ ولا يمكن
القولُ أنها ثورة جياع تماماً؛ ولكنّ الإجراءات الليبرالية الجديدة ترتّبَ عليها
نتائجٌ اجتماعيةٌ اقتصاديةٌ مدمرة، خاصة على جيل الشباب، تمثّلت في حالةٍ من
انسداد أفق المستقبل لدى الجيل الشاب الباحث عن فرصة عملٍ، تعينه على الحصول على
سكن لائق وتأسيس أسرة. ويمكن ملاحظة تجذّرِ الثورة في الأرياف والأحياء الفقيرة في
المدن، فهي التي صمدت في تظاهرات العام الأولِ للثورة أمام القتل والاعتقال،
وإليها ينتمي معظمُ مقاتلي الجيش الحر، وهي من يلقى النصيبَ الأكبر من همجية
النظام وتدميره. وأيضاً أبناء الطبقة الوسطى شعروا بفقدان الاستقرار والثقة
بالمستقبل، مع القرارات والمراسيم الكثيرة التي تصدر تباعاً، وتهددهم بالهبوط إلى
المستويات الأفقر.
وحتّى تحميَ السلطة مصالحَها، استخدمت القمعَ والتحكمَ الأمني في كل
مفاصل الحياة؛ وقابلت التظاهراتِ الأولى بالقتل والاعتقال، مما جعل الشعب يرى، ونتيجةَ
تغييبه عن السياسة طويلاً، أنّ مطلبَه الأساسيَّ هو التحرر من سلطة الأمن، فانطلقت
تظاهرات تطالب بالحرية. ونتيجة العنف الوحشي، باتت مطالب الشعب اللحظية هي إسقاط
النظام، بغرض التخلص من عنفه.
وبالعودة إلى تركيبة النظام، فهو يمثل طبقةً بورجوازية خاصّتُها نهبُ
الشعب، وتكديسُ الأموال، والتبعيةُ للرأسمالية العالمية، هذه الطبقة تربطها
بالعائلة الحاكمة علاقة عضوية، بحيث غدت تلك العائلة هي المستفيد الأكبرُ من
النهب، هذا ما اقتضى تجهيز الجيش والأمن بعقيدة الحفاظ على حكم آل الأسد، إضافة
إلى تخويف جزءٍ كبير من الشعب من سقوط النظام، لتجييشهم للقتال في صفّه لحمايتِه،
وبخدعةِ أنّه هو من يحميهم. وبالتالي فإن سقوطَ النظام لا يعني وصولَ الثورة إلى
هدفها، مع أهميته في اللحظة الراهنة من أجل إيقاف العنف؛ حيث يسعى الغرب وروسيا
والدول الإقليمية إلى الحفاظ على سلطة الطبقة البورجوازية التابعة، سواء تغيّر
الأشخاصُ المستفيدون منها أم لا؛ ويمكن رؤية مؤتمر جينيف 2 من هذا المنظور. الثورة
معنية بالحل السياسي من حيث أنّه سيوقف العنف، ولكنها غير معنيةٍ به من حيث أنّه
سيحقق مطالبَها، في الحرية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم، ويحقق الاستقرار.
الثورة ستستمرّ ما دام سبب اندلاعها قائم. هذا ما يخيف الدول العظمى،
ذاتَ المصالح في المنطقة كلها، ويخيفُ دول المنطقة التي لم تشتعل فيها ثورات، لذلك
هم جميعاً يسعون لمنع تشكّل وعيٍ طبقي لدى الجماهير الثائرة بمطالبها، عن طريق دعم
إيديولوجيات القرون الوسطى، كالطائفية، والتطرف الدّيني، وهي تتشارك مع النظام في
ذلك لتطويق الثورة وإيقافها، لذلك تم دعم جبهة النصرة، بشقّيها، جبهة الجولاني
ودولة العراق والشام، من النظام ومن السعودية، وبغضّ نظرٍ من أميركا والغرب، وإن
أدانوها في مجلس الأمن؛ فهذه التنظيمات من السهل اختراقها، سواء من مخابرات
النظام، أو مخابرات الدول العظمى والدول المحيطة.
الشعب يريد الحريّة، ولكنْ ليس تلك الحرية التي تبقي النمطَ الاقتصاديَّ
التابعَ غيرَ المنتج، بلْ وتزيد من الانفتاح الاقتصادي، بحيث تتحول الحرية إلى
حرية استغلال المواطن، عبر قوننةِ الاستغلال حسب مصطلحات صندوق النقد الدولي، وبقيّة
المؤسسات الليبرالية الجديدة في الدول الرأسمالية. بل الشعب يريد الحرية المترافقةَ
بنظامٍ يحقق له العيش الكريم، ويقلص الفقر والتمايز الطبقي؛ وهذا غيرُ ممكن دون
تغيير النمط الاقتصادي السابق، بحيث يصبح الاقتصاد منتِجاً، في الصناعة والزراعة
خصوصاً، ويَكبح ميلَ القطاع الخاص نحو الربح السريع، ويوجّهَهُ إلى الإنتاج، ويفرض
ضريبة تصاعدية على رأس المال، ويعزز دورَ الدولة الاجتماعي في المجانية الكاملة
للتعليم والطبابة والتقاعدية والبحث العلمي…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث