الرئيسية / مجتمع واقتصاد / مجتمع / مواد مجتمعية مختارة / حق المرأة في الميراث …بين الشريعة والقوانين الوضعية

حق المرأة في الميراث …بين الشريعة والقوانين الوضعية

ميسون محمد

المرأة هي نصف المجتمع، ولها حقوق وواجبات محددة في الإسلام وفي القوانين الوضعية، من بين هذه الحقوق، حقها في الميراث، الذي يعد من المسائل الفقهية والقانونية المهمة والمثيرة للجدل في عصرنا الحاضر.

إن منظومة الإرث في الإسلام تعتمد على مبدأ العدل بين الورثة  وليس على مبدأ المساواة الكمية، وهو ماتأخذه في الاعتبار معظم  القوانين، فالعدل يقتضي أن يحصل كل إنسان على حقوقه بمقدار مايتحمل من واجبات وأعباء مالية، فتقرير الحقوق والواجبات يجب أن يتناسب مع المسؤوليات والأعباء لكل من الرجل والمرأة.

الإسلام أعطى المرأة حقها في الميراث بناءً على قول الله تعالى: (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) سورة النساء، وهذا يعني أن حق المرأة في الميراث ثابت بالشرع لا بإرادة المورث أو رضاه.

ونصيب المرأة في الميراث، يختلف باختلاف درجة قرابتها بالمورث وعدد الورثة من الذكور والإناث، فهناك حالات ترث فيها الأنثى نصف الذكر، كالبنت إذا كانت وحيدة أو مع أخت مع الابن، لقوله تعالى (يوصيكم االله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)، أو الأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق، أو الأخت لأب مع الأخ لأب، لقوله تعالى:( وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين). وهناك حالات ترث فيها الأنثى ربع الذكر، كالزوجة إذا لم يكن لزوجها ولد، وهناك حالات ترث فيها الأنثى ثمن الذكر، كالزوجة إذا كان لزوجها ولد، لقوله تعالى (فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم )  سورة النساء آية 11 -12

حكمة تحديد نصيب المرأة في الميراث هي تحقيق مصلحة عامة للمجتمع، فالإسلام يأخذ بعين الاعتبار التفاوت في المسؤوليات والحقوق بين الذكر والأنثى، والذكر هو المسؤول عن نفقة زوجته وأولاده وأخته وأمه، بينما المرأة ليست مسؤولة عن نفقة أحد، بل هي مستحقة للنفقة من زوجها أو أولادها أو إخوانها، وإذا كان للذكر حق في نصف ميراث الأنثى، فله واجب في نفقة ضعف نفقة الأنثى.

فالإسلام كان سباقاً في منح المرأة حقها في الميراث، قبل أن تفعل ذلك الديانات الأخرى أو القوانين الوضعية، فحدد لها  نصيبها في الميراث بحكمة وعدل، مراعياً لظروفها وحاجاتها، والقوانين الوضعية اقتبست من الشريعة الإسلامية في بعض الجوانب، وخالفتها في بعضها الآخر، محاولة تحقيق مساواة بين الذكور والإناث.

وعندما نتحدث عن الإرث في القوانين والشريعة الإسلامية فهناك فروقات تكمن في ثلاثة جوانب رئيسية: المصدر، الثبات، والهدف، فالشريعة مستمدة من الوحي الذي أنزله الله تعالى، بينما القوانين مستمدة من عقول البشر، والشريعة ثابتة ولا تقبل التغيير أو التبديل، بينما القوانين متغيرة ومتطورة مع تغير الأزمان والأحوال، والشريعة تهدف إلى توجيه المجتمع إلى ما يحقق له العدل والمساواة، بينما القوانين تهدف إلى تنظيم شؤون المجتمع في ضوء حاجاته المؤقتة.

أما عن وجه الشبه فكلاهما يحترم حق المرأة في الميراث، ولا يحرمها منه أو يظلمها فيه، فالإسلام أعطى المرأة نصيباً محدداً من الميراث، لا يتغير بإرادة المورث أو رضاه، بل هو حق شرعي لها، والقوانين أيضاً أقرت حق المرأة في الميراث، وأحصنته ببعض التشريعات والإجراءات التي تضمن لها تحصيله.

إلا أن هناك اختلافات في نسبة نصيب المرأة من الميراث، وفي طرق حسابه وتوزيعه، بحسب كل من الشريعة والقانون، ففي الشريعة، يختلف نصيب المرأة باختلاف درجة قرابتها بالمورث، وعدد الورثة من الذكور والإناث، أما في القانون، فتختلف نسبة نصيب المرأة باختلاف نظام الميراث في كل دولة، ففي بعض الدول، يساوى نصيب الأنثى نصيب الذكر، كما هو الحال في فرنسا وتركيا والمغرب، وفي دول أخرى، يقل نصيب الأنثى عن نصيب الذكر، كما هو الحال في مصروسوريا والسودان والأردن.

ويضاف إلى ذلك ، التحديات تواجه المرأة في تحصيل حقها في الميراث، والتي تنشأ من بعض العادات والتقاليد السلبية التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، فبعض الناس يحرمون المرأة من نصيبها في الميراث بحجة أنها لا تحتاج إليه لأنها متزوجة، أو مستغنية، أو لأنها ستنفقه على زوجها أو أولادها من غير الورثة، وبعضهم يضغطون على المرأة لتتنازل عن نصيبها في الميراث لصالح إخوانها أو أقاربها الذكور بحجة أنهم يستحقونه أكثر لأنهم يعيلون عائلات أو يسددون الديون، وبعضهم يستغلون جهل المرأة بحقها في الميراث أو قلة وعيها القانوني ليسلبوها من نصيبها في الميراث بالخداع أو التزوير أو التهديد.

هذه الظواهر تشكل خطراً على حق المرأة في الميراث، وتؤدي إلى انتشار الظلم والفساد في المجتمع، فالمرأة تفقد حقها في ميراث آبائها وأجدادها وزوجها وأولادها، وتصبح محرومة من مورد مالي يساعدها على تحسين حياتها وتحقيق استقلاليتها، وبالتالي تزداد فجوة الفقر والتفاوت بين الذكور والإناث، وتضطر بعض النساء إلى الزواج من رجال ليسوا من مستواهن، أو إلى البحث عن عمل ليس مناسبًا لهن، أو إلى التسول أو الانحراف.

وبالرغم من أن هذه الضغوط قد تؤدي إلى تخلي المرأة عن حقوقها في الميراث إلا أنه يجب عليها أن تعرف حقها في الميراث وأن تطالب به ، وأن تستخدم الوسائل الشرعية والقانونية للحفاظ على نصيبها في الميراث، وتستفيد منه في تطوير نفسها، وعلى الأهل والأقارب أن يحترموا حقها في الميراث وأن يساندوها في تحصيله، وأن يتخلوا عن العادات والتقاليد التي تحرمها منه أو تظلمها فيه، وينشروا ثقافة العدل والإحسان بين الورثة، فحقها في الميراث لايجب التفريط فيه أو التخلي عنه.

لذلك، يجب على كل فرد ومؤسسة في المجتمع العمل على حماية حق المرأة في الميراث وتحقيقه بالوسائل الشرعية والقانونية، وعلى الدولة والقضاء أن تضع القوانين والإجراءات اللازمة لمنع حرمان المرأة من نصيبها في الميراث أو التعسف فيه ، وأن تحاسب كل من يخالف ذلك، وأن يتم نشر ثقافة العدل والمساواة بين الجنسين، وعلى الأسرة والمدرسة والمجتمع أن يربوا الأجيال على احترام حق المرأة في الميراث وتقديره.

شاهد أيضاً

أعمال السوريات في تركيا.. مشاريع صغيرة تصارع البقاء وأحلام كبيرة مهددة بالتعثر

يمامة دعبول – صدى الشام مجد، أمّ لأربعة أطفال، حصلت على منحة من منظمة أورانج …

العمل خلف الأبواب الموصدة.. الاقتصاد الخفي للاجئات السوريات داخل المنازل في تركيا

هاديا المنصور في أحد أحياء مدينة شانلي أورفا التركية، يبدأ نهار حسناء الشيخ أحمد مبكراً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *