الرئيسية / مجتمع واقتصاد / مجتمع / مواد مجتمعية مختارة / التنميط الجندري للمسؤوليات … عبء على الرجل أم تقييد لتطلعات المرأة
سيدة سورية في اسطنبول تحضر أطفالها من المدرسة - صورة تعبيرية

التنميط الجندري للمسؤوليات … عبء على الرجل أم تقييد لتطلعات المرأة

مزنة عكيدي – صدى الشام

على الرغم من التحررالاجتماعي والحقوقي الذي ينادى به عالمياً مازال السوريون يعانون من قوالب تقيد حرياتهم في اتخاذ القرارات فتطبق على خناقهم عادات وموروثات اجتماعية مصدرة عبر الأزمنة والأماكن، فمع ثنائية “الرجل في العمل والمرأة في المنزل ” التي انتقلت مع السوريين -حتى إلى بلاد اللجوء- مازال كلا الجنسين يتعرضان لضغوطات اجتماعية عند رغبتهما في التغريد خارج سرب التنميط الجندري للمهام فيما يتصالح البعض مع هذا التنميط ولا يطمحون للخروج منه.

امرأة عاملة تقوم بواجبات النساء والرجال

ربى سيدة سورية مطلقة تعيش في اسطنبول وبلغت مؤخراً عامها الخامس والثلاثين تتحدث ربى  لموقع صدى الشام عن تجربة زواجها السابقة و”تمردها” على الصورة التقليدية للمرأة السورية الذي كان سبباً لضغوطات كبيرة مورست عليها من قبل زوجها، فتقول إنها بعد هجرتها من مدينة دمشق وقدومها إلى تركيا وإقبالها على المجتمع الجديد أتيحت لها فرص للدخول في سوق العمل كمساعدة في مركز طبي ولم يرق الأمر لزوجها الذي عارض عملها بشدة ولكن مع إصرارها على العمل رضخ لرغبتها مع استمراره في التضييق عليها للاستغناء عن فكرة العمل، وتوضح ربى أن زوجها على الرغم من اكتفائه المادي وضع شروطاً لعملها وهي ان تدفع مناصفة المصاريف من أجار وفواتير ومتطلبات يومية للمنزل.

يبلغ عدد اللاجئين السوريين في تركيا ما يقارب 3.65 لاجئاً بحسب بيانات دائرة الهجرة ما يقارب ال70 بالمئة منهم من النساء والأطفال، وتحظى اسطنبول بالنصيب الأكبر من اللاجئين السوريين فسجلت في أراضيها أكثر من نصف مليون لاجئاً.

أعداد السوريين تحت الحماية المؤقتة في أول عشرة مدن تركية – موقع إدارة الهجرة التركية

وجدت ربى أن مشاركتها في المصاريف هو ثمن عادل لمحاولتها كسر القالب الذي يقيدها، فرضخت لشرط زوجها وبدأت تقاسم مسؤوليات المنزل المالية معه، لتواجه مشكلة لم تكن في الحسبان فتقول إنها على الرغم من تأديتها الواجبات الاقتصادرية التي فرضها المجتمع على الذكور بقيت مهام النساء النمطية مطلوبة منها بالكامل كإعداد الطعام والعناية بالمنزل ورعاية الأطفال ما وضعها تحت ضغط جديد هو قيامها بواجبات الرجال والنساء معاً.

عدم التفكير في العمل هروباً من مسؤوليات مضاعفة لا مفر منها

على خلاف ربى استسلمت سما للأولويات المتعارفة اجتماعياً في أدوار الأزواج  وتمتنع حتى عن التفكير في العمل فتقول السيدة السورية ذات ال27 عاماً إنه على الرغم من عدم معارضة زوجها لعملها ودعمه المستمر لها في كل خطواتها إلا أنه حين يساعدها في مهام الرعاية يقوم بذلك من باب المعروف وليس من باب المسؤولية وتشارك المهام ،  لذلك تفضل سما عدم تحميل نفسها عبئاً إضافياً حيث لا مفر من الواجبات التقليدية الواقعة على عاتقها ولن  تتقسم ما بينها وبين زوجها في حال عملها.

وكسبب آخر يعيق تفكيرها في العمل تقول إنها لو رغبت في ذلك ستلعب مسؤوليتاها كإمراة دوراً في مفاضلتها للعمل وستتحيز في عملية تققيمها له فستبحث عن عمل يراعي ظروف الزوج والاسرة وذي ظروف تتلاءم مع مسؤولياتها الاجتماعية ما سيمنعها من الحصول على فرصة بقدر تطلعاها وإمكانيتها.

وتضيف “كأبسط مثال عندما أفكر في العمل يجب أن يكون عملاً ذا ظروف تتلاءم مع مواعيد أطفالي وذهابهم وعودتهم من وإلى المدرسة” ، في حين يملك زوجها حرية اختيار العمل على اعتباره المسؤول الأول عن أمور العائلة الاقتصادية وتأتي هي في الدرجة الثانية للقيام بهذه المهمة على حد قولها.

وتختم سما إن كون هذا التقسيم مفروضاً وإلزامياً يحبطها ويحرمها متعة الإنجاز.

الإناث في خدمة الذكور

لا يقتصر التنميط الجندري للمهام الاقتصادية والاجتماعية على الأزواج فحسب، فحتى الأشقاء في العائلة الواحدة تنمط مهامهم وواجباتهم تجاه الأسرة تبعاً لأجناسهم وترسخ هذا التقسيمات ويصعب الانسلاخ عنها ما يكبل حرية كلا الطرفين.

لم يشفع لبدور(29 عاماً)  خوضها في سوق العمل وإثبات جدارتها في الإنتاج ومساندة الأسرة مادياً للتخلص من مهام الأنثى النمطية، فمازالت بدور تعاني من التقسيم التقليدي للمهام بين الذكور والإناث فتقول إنها على الرغم من عملها المبكر في الهندسة المدنية وتحقيق الاستقلال المادي ودعم الأسرة في مصاريف المعيشة لا زالت في نظر أسرتها هي الفتاة التي تترتب عليها المساعدة في أعمال المنزل، فيطلب منها ترتيب غرفة إخوتها الذكورأو إعداد الطعام لهم على اعتبار أنها أعمال مخصصة للإناث.

الذكور ليسوا الطرف المنتصر دائماً

على الرغم من أن بدور ترى في ذلك ظلماً يقول صلاح الأخ الشقيق لثلاثة بنات إن الرجل ليس هو الطرف المنتصر في هذه المعادلة كما يروج دائماً, فغالباً ما يسلط الضوء على تقييد حرية المرأة ومنعها من تحقيق ذاتها بسبب تحديد مهمامها فيما يغفل دائماً الثمن الذي يدفعه الرجل نتيجة لهذا التنميط، ويضيف ” يتناسى المنتقدون أن قوالب المهام التي تحمل الذكور المسؤوليات المالية والاقتصادية تضعهم تحت ضغط شديد ويدفعهم للعمل فوق طاقتهم أحياناً ” ويوضح صلاح أن الشاب حين يكون ولداً ذكراً في الأسرة سيكون المسؤول الأول عن تحقيق الاكتفاء المادي للأسرة وتأمين احتياجاتهم الأساسية في حال عجز الأب عن ذلك وهذا ما حدث معه عندما لم يستطع والده ذو ال60 عاماً إيجاد عمل في تركيا.

ويضيف صلاح حتى عند التفكير في الزواج يطالب الشاب بتأمين الاحتياجات الأساسية وتحمل تكاليف تجهيزات المنزل الجديد فيما ينأى بالمرأة عن هذه الأعباء، وتقديمها أي مساعدة في تجهيزات الزواج المبني في الأساس على كلا الطرفين  يعتبر تكرماً منها دون وجود سطوة اجتماعية تحكم عليها القيام بذلك.

تقول ياسمين مرعي مديرة منظمة نساء من أجل مساحات مشتركة في حديثها إلى موقع صدى الشام إنه لا يوجد طرف ظالم وطرف مظلوم في قولبة مهام الرجل والمرأة فالأمر مرتبط ببنية المجتمع وثقافته الجندرية وتشير إلى أن هذه القوالب بدأت تنكسر تباعاً ليس بسبب التحرر الفكري فقط وإنما بسبب الظروف الجديدة في حالة السوريين.

ومن خلال عملها في المنظمة على نقل النقاشات التي تدور بين النساء حول مشاكل علاقتهن بالشريك/ الأخ/ الأب/ الابن إلى ضفة الجنس الآخر تجد مرعي أن الرجال ما زالو مستمعين فقط في هذه الحوارات وغير منفتحين على نقاشات مماثلة أونقلها للعلن والحل هو التحرر من سطوة ونظرة المجتمع.

تنميط المجتمع “يكرم المراة”

ومع كل الجدل الذي بدأ يثار مع ارتفاع الوعي والجهود المبذولة لإخراج النساء من قيود التنميط الجندري، لا زال هذا التنميط يعتبر هو الحالة المثلى لدى البعض من الجنسين فبانة (25 عامأً) من مدينة ادلب تعيش مع زوجها ميسور الحال الذي يقدم لها جميع متطلباتها المادية، لذلك ترى أن هذا التنميط امتياز فالمرأة غير ملزمة بالخروج والتعب ومواجهة تحديات العمل وكسب العيش، وتجد أن بقاءها في المنزل والقيام برعاية الأطفال أكثر سهولة من عمل الرجال.

ويتفق محمد مع بانة في وجهة نظرها على أن تولي الرجل للمسؤوليات المالية وسد احتياجات الأسرة المادية هو إعلاء من شأن المرأة، ويعتبر أنه من المعيب على الرجل الاعتماد على المرأة في أداء هذه المهام لذلك لا يطالب محمد ذو ال40 عاماً زوجته الموظفة بأي التزامات مالية تجاه مصاريف المنزل ويقول إنها حرة التصرف براتبها سواء بادخاره أو بإنفاقه على نفسها.

وفقاً للمادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في الإعلان، بما فيها حق العمل ، دونما تمييز من أيِّ نوع، و منها التمييز على أساس الجنس، وفي المادة 29 من نفس الإعلان يشار إلى عدم خضوع  أيُّ فرد، في ممارسة حقوقه وحرِّياته، إلاَّ للقيود التي يقرِّرها القانونُ بينما ما زالت الأحكام الاجتماعية الموروثة تسيطر على حياة الكثيرين من الجنسين وتفقد كلا الطرفين متعة الأداء وتحول إنجازاتهم اليومية إلى وظائف إلزامية مفروضة.

 

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR” صحفيون من أجل حقوق الإنسان

شاهد أيضاً

أعمال السوريات في تركيا.. مشاريع صغيرة تصارع البقاء وأحلام كبيرة مهددة بالتعثر

يمامة دعبول – صدى الشام مجد، أمّ لأربعة أطفال، حصلت على منحة من منظمة أورانج …

العمل خلف الأبواب الموصدة.. الاقتصاد الخفي للاجئات السوريات داخل المنازل في تركيا

هاديا المنصور في أحد أحياء مدينة شانلي أورفا التركية، يبدأ نهار حسناء الشيخ أحمد مبكراً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *