صدى الشام – الباحث الاقتصادي يونس الكريم
شن الإعلام الروسي، مؤخراً، حملةً الموجهة ضد بذخ نظام الأسد وفساد رأسه بشار، وذلك عن طريق الكشف عن شرائه لوحةً لفنان البوب آرت البريطاني الشهير ديفيد هوكني، وبيعت اللوحة مقابل 23,1 مليون جنيه استرليني (29,8 مليون دولار) في مزاد سوثيبي في لندن يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر شباط/فبراير 2020 (أي قبل أكثر من شهرين) لمشترٍ مجهول الهوية، وهنا السؤال: من هذا المشتري المجهول الذي يدفع ٢٣ مليون جنيه إسترليني، والذي تتكتّم إدارة المزاد عن إعلان هويته؟
غسيل أموال
ثمّة عدّة أسباب لشراء اللوحات الفنية الباهظة، ومنها، انّ هذه اللوحات هي جزء من عملية غسل أموال حيث كانت بيعت اللوحة ذاتها عام 2006 بـ 2.9 مليون جنيه (4.5 مليون دولار) وكان من المتوقّع الّا يزيد سعرها عن 20 مليون دولار أي دفع 9 ملايين دولار زيادة عن السعر، وهو ما يشير إلى أن هذه العملية تنحصر ضمن إطار غسيل الأموال.
وأشار الباحث تيسير خلف في مقالة منشورة على العربي الجديد في الثاني من أكتوبر ٢٠١٥، إلى كثير من العمليات تهريب الآثار من قبل النظام وتزوير أوراق الامتلاك القانونية لتكون صحيحة مما يصعب استردادها فيما بعد بل تم بيع عديد من القطع بذات المعرض الذي اشترى منه بشار الأسد اللوحة حسب الخبر، وهذا ما يفسر لنا رفض مزاد سوثيبي في لندن الإفصاح عن هوية المشتري أو جنسيته على الأقل كما حدث في المرة السابقة لشراء ذات اللوحة.
وبدأ الأسد ونظامه استخدام اللوحات الفنية والتحف عبر الوسطاء، بعد تشديد الحصار الاقتصادي عليه لنقل الاموال واخفائها من العقوبات، ففي السابق لم يكن بحاجة الى هذا الأمر كون الأسد كان هو المتنفذ في سورية وكان العالم صديقه.
ويقول بيتر هاردي، وهو مدع عام أميركي سابق يقدم حاليًا المشورة للشركات والصناعات بشأن الامتثال لمتطلبات مكافحة غسل الأموال: “إن الفن وسيلة جذابة للغاية لغسل الأموال إذ يمكن إخفاؤه أو تهريبه، وغالبا ما تكون المعاملات خاصة، ويمكن أن تكون الأسعار غير موضوعية ويمكن التلاعب بها ومرتفعة جدا، ولا ننسى انها تم عبر وسطاء مما يصعب تعقب تلك العمليات”.
بذخ أسماء الأسد
من جهةٍ ثانية، يُذكرنا خبر شراء الأسد بالسر-لهذه اللوحة، بحياة أسماء الاسد وزجها الباذخة، فبحسب موقع “ويكيليكس” الشهير الذي سرب رسائلها عام 2012 مع منصور عزام مستشار الرئيس السوري باتفاقها مع شركة “راندل”، حيث كلف اللورد كيني لوورث بإعادة تصميم حديقة قصره الصيفي في اللاذقية مقابل 24 ألف جنيه استرليني ، كما دفعت أسماء 440 ألف دولار من محل واحد لاقتناء أثاث لذات القصر الصيفي وهي عبارة عن 130 قطعة أثاث منها 5 معدانات بقيمة 15 ألف دولار، حيث أن بعض المشتريات تتم عبر اسم مستعار “عالية الكيالي”.
وذكرت ذات الوثائق أنه “لتخفيف الضغط على النظام الأسد فقد تعاون مع مكاتب علاقات عامة في بريطانيا وأمريكا عبر دفع أموالٍ لمؤسسة براون لويد جيمس الأميركية التي تتخذ نيويورك مقراً لها، من أجل الترويج لإصلاحات الأسد وتحسين صورته لدى الغرب ونشر سيرة الذاتية لزوجته على أنها المرأة المشرقة التي تناضل خلف لزوجها لانقاذ بلدها والمحافظة على أسرتها مع كل ضغوط الحرب، وقد تمت العملية عن طريق مساعد لأسماء الأسد “فارس كلاس” وهو ما نجح بكسب ود “إدارة أوباما” الضمني لاستمرار الأسد بالحكم .
كل هذا التسريبات تشير إلى أن شراء اللوحة ليس سوى أمر عادي، من رجل يعلم ان لا أحد يستطيع محاسبته ومساءلته عن تصرفاته لكسب ود امرأة تشعر نفسها انها من طبقة نبلاء بريطانية يحتفي الغرب بثقافتها و جمالها فلابد من هدية تناسب وضعها.
كيف تم شراء اللوحة رغم العقوبات؟
من جانبٍ ثالث، فإن ما يثير التساؤل في حالة شراء اللوحة، هل بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي لم تعد معنية بتطبيق العقوبات الأوروبية ؟ أم أنه لا يعدو عن كونه عملية استغلال انشغال الحكومة البريطانية بمكافحة كورونا؟ أم أن قانون سيزر والعقوبات الأوروبية التي وقعت عليها بريطانيا ستتكفل بملاحقة الشاري بعد أن تم فضح العملية؟.
وهذا يتطلب تحرك دوائر المعارضة القانونية والمجتمع المدني الذي يتخذ من بريطانيا مقرا له لطلب الإجابة من الشمرتي، وفيما إذا كان هناك علاقة مع النظام وكيف تم سداد الأموال رغم أن العقوبات مازالت سارية.
الإجابة على هذه الأسئلة، تلقي الضوء على أملاك بشار الاسد الموجودة في بريطانيا وأوربا مما يمكن من توفير الأموال لإنجاح عملية السلام والمرحلة الانتقالية عندما يحين وقتها كون الوضع اقتصاد سوريا الحالي يشي بأن مرحلة الانتقالية لن تكون أكثر من صورة عما حدث بالعراق او ليبيا في أحسن الأحوال
محاولة لتحجيم قانون “سيزر”؟
كذلك يجدر التساؤل حول ما إذا كان تسريب عملية الشراء، ضمن محاولات الأسد المستمرة للتقليل من أثر العقوبات الأوروبية وقانون سيزر، أم أن القانون قد يبدو توقف في أولى خطواته تزامنًا مع الحملة الروسية – الصينية في الأمم المتحدة التي أراد الروس والصينيون فيها طلب مساعدة الدول لتخفيف الحصار الاقتصادي ومد يد العون للدولة السورية والنظام لمواجهة كورونا وآثاره الاقتصادية، بحجة عدم تحول سوريا إلى بؤرة للجائحة ، علمًا أن الروس والصينين لم يقدموا المساعدة المباشرة للنظام رغم استطاعتهم، لكنهم أرادوا تعويم الأسد خلال حملتها العالمية من أجل جذب الاستثمارات، وبالتالي قد يكون بشار الأسد أراد أن يقول في شراء اللوحة: “إن القانون العقوبات هو شكلي يتضمن بعض الأمور العسكرية التي اصلا تقع على عاتق الروس والايرانين وإن الاستثمارات لا تخضع للعقوبات وضغوطها”.
وربّما يكون إعلان شراء اللوحة، عبارة عن محاولة ضغط إعلامي على الأوربيين لتفعيل إجراءات العقوبات وخاصة انهم انشغلوا بمواجهة جائحة كورونا، ما يشكل الضغط على الأسد في العملية السياسية و يرسل له رسالة خاصة مفادها أن الجهود الصينية – الروسية قد فشلت، وأن المساعدات التي ستقدم للنظام لمكافحة الجائحة عن طريق منظمات أممية مختصة لا علاقة للنظام وحلفائه بسير عملها.
تقييد نشاط أسماء الأسد في بريطانيا؟
من ضمن التحليلات حول إعلان شراء الأسد للوحة باهظة الثمن، هو محاولة منع وصول أسماء الأسد وعائلتها من الدخول إلى بريطانيا سواء للزيارة و أو إدارة بعض أعمالها، إضافةً إلى إعادة التذكير بقضية سحب الجنسية منها، خاصة أن أولاد الاسد لازالوا يزورن بريطانيا (حيث تم تجميد أموال أنيسة ابنة بشرى الاسد منتصف عام 2019) وهذا الأمر له أهمية بالغة بالتيار الذي تديره أسماء الأسد والذي تعتمد فيه على العلاقات العامة لتعويم زوجها، وإن تم التضييق عليها وتنفيذ القانون ستكون ضربة قوية لتيارها وتؤدّي لزعزعته.
كما يبدو أن الروس باتوا يتبنون حملة قوية ضد أسماء الأسد من خلال الانتقادات المتكررة والتي كان أخرها من وكالة الأنباء الفيدرالية التابعة للملياردير الروسي “يفغيني بريغوجين” والمعروف بـ “طباخ الكرملين” الذي شن هجـومًا لاذعًا على النظام السوري ورأسه بشار وعلى فساده الذي قاد إلى ضعف حكمه، علما أن أسماء الأسد تشكل التيار الموالي لروسيا والذي اتفق مع الروس حسب موقع “تابناك” على إقصاء الإيرانيين من الاستثمار باقتصاد سوريا، لكن سياسة البذخ على حساب المواطنين ترك المجال لتغلغل إيران وهو ما لا يرغب به الروس.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث