ما زالت أزمة الأوراق الثبوتية من بين أكثر الأزمات تعقيداً في الشمال السوري، وتزداد يوماً بعد آخر في ظل عدم حصول المؤسسات المدنية في الشمال السوري على الاعتراف العالمي.
ويشكّل تثبيت المعاملات الرسمية مثل عقود الزواج والطلاق والنفوس وغيرها من المعاملات، معضلةً لدى آلاف المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري في الشمال، في ظل وجود حاجة ملحة لهذه المعاملات خصوصاً بعد الازدياد الكبير في أعداد سكان الشمال السوري، بعد عمليات التهجير القسرية التي مورست بحق سكان المحافظات الجنوبية وتهجيرهم إلى الشمال السوري.
ومن جهة أخرى فإن المؤسسات المدنية المختصة بتثبيت مثل هذه المعاملات، والتي تتبع بدورها لكل من حكومتي الإنقاذ والمؤقتة، لا تحظى بثقة كبيرة من جانب المدنيين، إذ ينظر إلى هذه المؤسسات على أنها غير معترف بها، لدرجة عزوف نسبة كبيرة من طلاب الجامعات عن متابعة تعليمهم لهذا السبب، فيما يلجأ الكثير من المدنيين إلى متابعة أوراقهم ومعاملاتهم الخاصة لدى دوائر تابعة للنظام السوري، وذلك عبر وساطات تقوم بهذه المهمة، مقابل الحصول على مبلغ مالي، على حسب المعاملة وأهميتها
يقولالمحامي علاء اليونس لـ “صدى الشام”: “مشكلة الأوراق الثبوتية واحدة من المشاكل التي تحمل الكثير من المتاعب للمدنيين في الشمال السوري، وبالأخص مناطق إدلب وريفها في الوقت الراهن الواقعة تحت سيطرة فصيل هيئة تحرير الشام، وجناحها المدني المسمى حكومة الإنقاذ”.
وأضاف اليونس، أن مسألة تثبيت الزواج من أبرز تلك المعوقات في المنطقة، وما يتعلق بها من إثبات النسب للأطفال، بالإضافة لتثبيت الطلاق، وحصول المرأة على حقوقها وغيرها، موضحًا أن كل ذلك بسبب غياب المراكز الحكومية الرسمية، والفوضى التي خلقتها أحداث سوريا من بدايتها ، وسبب آخر يعود لاستلام زمام المنطقة من أكثر من جهة وطرف، مما جعل من وجود مؤسسات رسمية مختصة بهذا المجال ومعترف بها دولياً، أمراً في غاية الصعوبة، بل يكاد يكون من المستحيل.
وتابع المحامي اليونس: “لا ندري إلى متى سوف تستمر هذه المعضلة، فلا أرقام رسمية محددة لعدد الذين لا يملكون أوراق ثبوتية، ولا عدد حالات الزواج غير المثبتة، أو حتى عدد الأطفال غير المسجلين في دوائر سجلات النفوس، ولكن هي مشكلة كبيرة تحتاج لحلول جذرية”.
وتحدث خالد الياسين لـ “صدى الشام” وهو أحد سكان منطقة جبل شحشبو في ريف حماة الغربي، عن معاناته بسبب عدم قدرته على الحصول على الأوراق الرسمية، وحقوق أطفاله في التسجيل بسجلات دائرة النفوس، حيث قال: “عمري 37 عام، متزوج منذ عام 2007، ولدي أسرة مكونة من 6 أطفال، وهناك 3 منهم ولدوا خلال فترة الأحداث السورية، وتبلغ أعمارهم ما بين 7 و 3 سنوات، وإلى الآن هم غير مسجلين في دوائر النفوس”.
وعلى الرغم من وجود مجالس محلية ومؤسسات تعنى بهذا الأمر، إلا أن الياسين لا يفضل تسجيلهم بهذه الطريقة غير الواضحة، فهذه المؤسسات غير معترف بها إلا في مناطق محددة من الشمال السوري فقط.
وتظهر معضلة الحصول على الأوراق الرسمية على مستوى الأسرة بشكل خاص، بالدرجة الأولى عند الحاجة لتسجيل تاريخ ولادة الأطفال واسمائهم، فهي مهمة، لحصولهم على حقوقهم المدنية، والأهم هو حقهم في الدخول للمدرسة في سنها المحدد.
إستخراج جوازات السفر أيضاً، هي واحدة من بين المشاكل التي تواجه المدنيين في الشمال السوري، حيث يتحدث، ناجي الأحمد من قرية الحواش بسهل الغاب في ريف حماة الغربي، لـ”صدى الشام” عن صعوبة حصوله على جواز سفر، حيث قال: “بعد انعدام سبل المعيشة وفرص العمل هنا في الشمال السوري، ذهبت لفكرة استخراج جواز سفر ومحاولة السفر إلى تركيا بهدف العمل هناك، لكن واجهتني الكثير من المعوقات ولم أستطع إلى الآن الحصول جواز السفر رغم أنّني تواصلت مع عدة أشخاص لاستخراج جواز سفر من مدينة حماة التي تقع تحت سيطرة النظام السوري، ولكن الجميع يطلب مبالغ مالية كبيرة وصلت لحد 1800 دولار، ولا يوجد أي جهة هنا مسؤولة عن استخراج جوازات السفر للمدنيين في المناطق المحررة”.
وتابع ناجي الأحمد: “وصلت لمرحلة اليأس بعد المبالغ الضخمة التي طلبت مني مقابل إخراج جواز السفر، لأن الظروف المعيشية أصبحت صعبة هنا، وبالأخص بعد عمليات التصعيد والنزوح إلى الشمال السوري، حيث باتت فكرة الخروج من سوريا، حلم يراود الكثير من الشباب بهدف العمل أو الدراسة”.
وتنقسم الآراء بين أوساط المدنيين في الشمال السوري، ما بين معارض لتسجيل زواجه أو اطفاله أو حتى إخراج أي ورقة ثبوتية من دوائر سجلات النظام السوري مثل القيود وجوازات السفر وكشف العلامات الدراسية وغيرها، باعتبار هذا يعد بمثابة اعتراف بالنظام السوري، فيما يرى آخرون أن ذلك ضرورة لا بد منها بسبب غياب دور المؤسسات الرسمية وعدم قدرتها على ردم الفجوة التي أحدثتها سنوات الحرب السورية، وحفاظاً على الحقوق من الضياع، في حين يبقى السؤال المطروح عن مستقبل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري في الشمال السوري: “متى سوف تتحمل الجهات المعنية بالملف السوري مسؤولياتها حيال هذه القضية”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث