حمزة المصطفى
تستمر رحى المعارك في سوريّة، غير عابئة بالحراك السياسي والدبلوماسي
الكسول حولها، لكثرة جعجعته وندرة طحينه. إن تعطل الحراك الدبلوماسي مرات عدة يشير
إلى أن ثورة سوريّة أصبحت أزمة دولية بامتياز، لا يتوقف حلها عند توافق القوى
الدولية والإقليمية على الحل ضمن هذا الملف، بل في ملفات دولية عدة تكاد لا تنتهيّ،
ويبدو أن الحل في سوريّة سيكون الأخير هذه الملفات، أي عندما ترتسم معالم الصورة
المتقلبة سنوياً في العالم العربي، والشرق الأوسط.
تدل جميع المؤشرات على الساحة الدولية والإقليمية أن مؤتمر جنيف 2 قد لا يعقد
هذا العام، بسبب البون الشاسع في التوجهات والمصالح ما بين الأطراف الفاعلة
خارجيًا، وانعدام الرغبة داخليًا بحضوره في ظل اختلال موازين القوى العسكريّة
ميدانيًا؛ ضمن هذه الظروف تبقى الأزمة السوريّة
حاضرة في البازار الدولي بين الغرب وروسيا، بانتظار اختراقات في ملفات أخرى
من شأنها أن تنعكس على الملف السوريّ.
يظهر ملف الانسحاب الأميركي من أفغانستان، والذي من المفترض أن يبدأ بداية
عام 2014 في البازار الدولي حول سورية خلال هذه الفترة. من المعروف أن روسيا ستكون
أكبر المتضررين من الانسحاب الأميركي في الظروف الحالية، والتي شهدت عودة حركة
طالبان أفغانستان إلى المشهد بقوة. الأمر الذي قد يترتب عليه تداعيات تضر بأمن
روسيا القومي، خاصة فيما تسميه ” مكافحة الإرهاب” و” النزعات
الاستقلالية” للجمهوريات الإسلامية داخل روسيا كالشيشان، وداغستان.
انطلاقًا من ذلك، طلبت روسيا من الولايات المتحدة وحلف الناتو الإبقاء على
وحدات عسكرية في أفغانستان بعد عام 2014، وعرضت المساعدة العسكريّة من خلال تأمين
وصول الإمدادت العسكرية والغذائية لهذه القوات عبر أراضيها، ومن خلال طائراتها
لتجنب طريق باكستان البري المحفوف بكثير من المخاطر.
على وتر الحاجة الروسية للغرب في أفغانستان، عزفت السعوديّة لحنًا جديدًا
توافقيًا مع روسيا، من خلال زيارة رئيس الاستخبارات السعودية بندر بن سلطان إلى
موسكو، ولقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
لقد جاءت زيارة بندر إلى موسكو في
مرحلة مختلفة، تصدرت فيه السعودية المشهد في العالم العربي بعد إسقاط حكم الإخوان
المسلمين في مصر، ونجاح مرشحها في الائتلاف السوري أحمد عاصي الجربا الذي أعلن
موقفًا واضحًا بقبول حضور جنيف 2، والتفاوض مع النظام بدون شروط مسبقة. ما يعني أن
تقاطعات مشتركة عدة أصبحت موجودة بين روسيا والسعودية.
العرض السعودي لروسيا جاء في ملف أفغانستان من أجل إقامة تعاون استخباراتي
سعودي- روسي مشترك بالتعاون مع باكستان، يخفف من تداعيات انسحاب قوات الناتو على
روسيا، لجهة الحد من تأثير الحركات الإسلامية والجهادية التي تؤرق الطرفين. في
مقابل هذا العرض تبدي روسيا مرونة تجاه الملف السوري، لاسيما رحيل بشار الأسد،
كحصيلة لمفاوضات جنيف 2.
ما يزال العرض السعودي لموسكو ساريًا، وقد اصبح رسميًا في جعبتها. ومن المتوقع أن نختبر نتائج العرض السعودي
سريعًا خلال لقاء القمة المقرر في أيلول المقبل بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
ونظيره الأميركي بارك أوباما، حيث سيكون الملف السوري والدفع باتجاه جنيف 2،
واستعراض حصيلة المفاوضات بين كيري ولافروف على رأس أولوياتها.
باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث