الرئيسية / مواد مختارة / قنوات تواصل فريدة تستخدمها منظمات “التأهيل المهني للمرأة” شمال سوريا

قنوات تواصل فريدة تستخدمها منظمات “التأهيل المهني للمرأة” شمال سوريا

عمار الحلبي/

في سوريا، نشطت خلال الحرب الدائرة منذ أكثر من سبع سنوات، مئات المنظمات غير الربحية، التي عملت بشكل رئيسي في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وهذه المنظمات التي تتلقى دعما مستمرا من جهات مانحة إقليمية ودولية، دأبت على العمل في معظم مجالات حياة السوريين، بداية من الإغاثة وتقديم المساعدات الإنسانية والسلل الغذائية والمساعدات الطبية والاجتماعية، مرورا بالمنظمات العاملة في مجال تنمية المخيمات، ودعم وتمكين المرأة، وليس انتهاء عند المنظمات التي تهتم بتقديم الدعم النفسي للأطفال.

وتفاوتت هذه المنظمات في أدائها وكفائتها، ولا سيما فيما يخص الجمهور المستهدف وكيفية الوصول إليه، ومع سعي جميع المنظّمات إلى إيصال الخدمات التي لديها لمستحقيها، يطرح سؤال حول مدى جدية هذه المنظمات في الوصول إلى المستهلكين الحقيقيين لخدماتهم.

وتبحث “صدى الشام” في هذا التقرير، طريقة مد جسور التواصل بين المنظمات والمدنيين في الشمال السوري، والطرق التي تستخدمها تلك المنظمات للوصول إلى المستهدفين في عملها.

واختارت “صدى الشام” جانب المنظمات العاملة في شأن تقديم التدريب المهني وفرص العمل للنساء السوريات، كون هذه الخدمة تعتبر من أكثر الخدمات التي تحتاج إلى جسور تواصل متينة، وطرق إقناع تدفع النساء لاستهلاك هذه الخدمة.

وتكمن أهمية هذه المنظمات، في أنها تدعم المرأة السورية وتمكنها، من تعلم مهنة تضمن لها استقلالا اقتصاديا وبالتالي اجتماعيا، ولا سيما مع غياب الرجل المعيل الذي هاجر أو التحق في الجبهات في غالب الأحيان.

 

 

جسور تواصل

زارت “صدى الشام” مركز “بارقة أمل” في مدينة إدلب، واطلعت على أجواء العمل في داخله، ونشاطات النساء المتدربات والعاملات داخل المركز، حيث ينقسم المركز إلى قسمين، الأول كمشغل للخياطة، وهو عبارة عن فسحة كبيرة تجتمع فيها النساء أمام آلات الخياطة، في حين يتكون القسم الثاني من روضة متواضعة للأطفال، ليتم فيها تدريس أولاد النساء اللواتي يتلقين التدريب المهني.

تعمل المنظمة على عدة مشاريع خاصة بالنساء، ولكل واحدة منهن قصة الوصول إلى المركز ومعرفته، ومن بينهم الشابة “مرام” التي وجدت طريقها نحو المركز، وكان منشور على موقع التواصل “فيسبوك” كفيلا بحرف مسار الحياة المهنية للشابة “مرام سليمان” من محافظة إدلب، حيث تمكنت من تعلم مهنة الخياطة في وقت لاحق من خلال صفحة أحد المنظمات.

 

كان الاقبال على المركز جيدا - عامر السيد علي
كان الاقبال على المركز جيدا – عامر السيد علي

 

تقول “مرام”، وهي منهكة في عمليات حياكة الأقمشة التي بين يديها: “كان حلمي أن أكمل دراستي، ولكنني لم أتمكن من تحقيق حلمي بسبب الأوضاع الأمنية التي تمر بها البلاد”، وتضيف “سليمان”، أنها خلال تصفحها موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” وجددت منشورا لمنظمة بارقة أمل حول التدريب المهني على مهنة الخياطة، موضحة أن المنشور شدها كي تتواصل معهم.

وتابعت: “عندما تواصلت معهم كانوا مرحبين بشدة وأرشدوني إلى موقع المركز في مدينة إدلب، ثم قمت بزيارة المركز وبدأت الدوام هناك”.

وتوضح الشابة أنها اختارت تعلم الخياطة لأنها مهنة جميلة وفيها مجالا للابتكار والإبداع، ومجالها واسع في ذات الوقت، وتقول مرام: “إن المنظمة دعمت الفتيات معنويا ورفعت معنوياتهن ليبدأوا بالتعلم، وإن المدرسات كن طويلات البال وكن قادرات على التعليم والتدريب”.

تقدم بارقة أمل فرصة تعلم الخياطة للفتيات في القطاع الشمالي من مدينة إدلب

 

طرق مختلفة للوصول إلى النساء

بدورها تشرح مديرة منظمة “بارقة أمل” “رانيا سميع”، طرق التواصل التي تستخدمها المنظمة لمد الجسور بينها وبين النساء المستهدفات، واللاتي هن بحاجةٍ فعلا إلى تعلم مهنة جديدة. وقالت سميع لـ “صدى الشام”: “قمنا بمشروع تعليم الخياطة منذ عامين ونصف تقريبا في مدينة إدلب، وكان المشروع في بداية الأمر من أجل تأمين فرص تدريب وعمل لفتيات القطاع الشمالي لمدينة إدلب، ولا سيما مع صعوبة إرسالهن إلى مناطق بعيدة من أجل التعليم والتدريب المهني، بسبب الأوضاع الأمنية وخوف الأهالي”.

وتضيف “رانيا سميع”: “في بداية تأسيس المشروع، كان الإقبال كبيرا حيث تقدمت ٣٢ فتاة للتدريب والعمل، ما اضطرنا لتخصيص فترتي تدريب لاستيعابهن” موضحة أن المنظمة قامت بتخريج أربع دفعات من الفتيات، ولكن انخفض عدد الفتيات المتقدمات حاليا تزامنا مع افتتاح المدارس، والتي تخفض حجم الفتيات الراغبات بالتعلّم بسبب التحاقهن بالمدارس.

ووفقا لمديرة المشروع، فإن المتقدمات لم يكن من الفتيات فقط، بل تقدمت أيضا ربات منازل وفتيات صغار يافعات، ما دفع بالمنظمة إلى تأسيس روضة داخل مقر التدريب، حتى يتم إرسال النساء إلى مراكزالتدريب على الخياطة، ويتم إرسال أطفالهن إلى الروضة، وبذلك يتاح أمام المرأة تعلم المهنة وأمام ابنها التعلم في الروضة.

كما تشير إلى وجود فتيات صغيرات بالعمر تقدمن لتعلم الخياطة، ضاربة مثالا على فتاة عمرها ١٢ عاما فقط، وفاجأت كل من كان داخل المركز بسرعة تعلمها حتى أتقنت مهنة الخياطة فترة قصيرة وباتت قادرة على الإنتاج بشكل طبيعي.

وتقدر رانية سميع التي تدير المشروع حاليا، عدد الفتيات اللواتي تمكن من إتمام التعلم والقدرة على الإنتاج بشكل طبيعي بنحو ٤٠٪ من مجمل عدد المتقدمات.

 

منحتها فرصة لتعلم مهنة الخياطة - عامر السيد علي
منحتها فرصة لتعلم مهنة الخياطة – عامر السيد علي

 

عن طرق التواصل بين المنظمة والنساء المستهدفات، تشرح سميع: “لدينا صفحة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، نقوم من خلالها بنشر جميع الفرص التي لدينا، كما نقوم بنشر إنتاجنا، حيث نوضح المنتج قبل وبعد تدويره وكيف تم العمل عليه بطريقة مهنية”.

وتوضح أن وجود المنظمة في حي شعبي يساعدها على سرعة الانتشار، والوصول إلى الفتيات المستهدفات. كما لجأت المنظمة للوصول إلى الفتيات المستهدفات، إلى نشر إعلانات ولافتات طرقية في محيط المنطقة المستهدفة كإجراء إضافي، وتوضح مديرة المشروع، أن طريقة الإعلان أو قناة التواصل مع المجتمع لا تكفي، بل لا بد من تسليط الضوء على النساء الواتي دخلن المهنة عن رغبة وخرج منهن إنجازات مهمة وتسليط الضوء على أعمالهن وإنتاجهن ونجاحهن وهذا يدفع الفتيات الآخريات ليكون لديهن رغبة للقدوم إلى المركز”.

وتقترح “رانيا سميع”، لمد جسور التواصل مع الفتيات المستهدفات، أن يحدث تعاون وتنسيق بين المنظمات العاملة في تدريب وتأهيل الفتيات، بغية إقامة معرض مشترك كل فترة، ليتم عرض المنتجات والفتيات الرائدات خلاله، وهو ما يشجع المزيد من النساء على الانضمام.

استخدمت منظمة بارقة أمل الفيسبوك كوسيلة للوصول إلى النساء الراغبات بالتدرّب

 

فائدة كبيرة

بدورها تشرح الشابة “زينة ” الفائدة الكبيرة التي حققتها بعد التحاقها بمركز للتدريب في إدلب، وقالت زينة، التي رفضت أيضا إظهار صورتها في حديث مع “صدى الشام”: “إنها تعيل أسرتها التي تتكون من والدها المريض وأمها وأخوين صغار ما زالا في مرحلة الدراسة الابتدائية.

وكانت زينة تحلم بأن تكمل دراستها، لكن الظروف الاقتصادية والأمنية ونوبة المرض التي لحقت بوالدها المعيل للأسرة سابقا حالت دون قدرتها على ذلك، ورمت المسؤولية الرئيسية عليها، فأصبحت هي ربة الأسرة.

وجدت الشابة إعلانا طرقيا لإحدى المنظمات في مدينة إدلب، تدعو فيه النساء اللواتي يرغبن في الدخول بحقل سوق العمل لتعلم عدة مهن منها نسيج الصوف والحياكة والطبخ المنزلي للمطاعم. فالتحقت زينة واختارت مهنة نسج الصوف، وتقول إنها أتقنت المهنة بعد شهرين ونصف فقط من الالتحاق بالمركز وباتت منتجة بشكل رئيسي.

وتوضح الشابة أنها منذ أن أتقنت المهنة وهي تتعامل مع عدة متاجر للألبسة الصوفية في مدينة إدلب، وباتت قادرة بشكل كامل على تأمين جزء كبير من مصاريف عائلتها، ولكنها تطمح اليوم إلى إعالة الأسرة بشكل كامل.

تعتبر زينة أن من عيوب المهنة التي تعلمتها وتعمل بها الآن أنها موسمية، أي أن العمل يصبح قليلا وشحيحا في فصل الصيف وينتعش في الشتاء، لكنها تقول غنها تستثمر فترة الصيف لابتكار قطع جديدة تكون قادرة على بيعها شتاءا.

وتقول الفتاة: إنها سعيدة بما وصلت إليها وتوضح: “لم أكن أتوقع يوما ان يكون لي عمل خاص وأن أكون أنا ربة الأسرة، والدي يفتخر بي وكذلك والدتي”، وتعبر عن دعمها لجميع النساء للالتحاق بالمنظمات التي تؤهل المرأة مهنيا، كونها تبعد فكرة تلقّي المرأة للمساعدات وتجعلها منتجة ومستقلة اقتصاديا.

وتنص القوانين والمعاهدات الدولية على حق كل فرد في العمل لتحقيق متطلبات حياته الأساسية، وتشير المادة ٢٥ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عام ١٩٤٨، إلى أنه “لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته”.

وتبين الفقرة ٢ من المادة ذاتها، أن “للأمومة والطفولة حق في مساعدة ورعاية خاصتين ولجميع الأطفال حق التمتع بذات الحماية الاجتماعية، سواء ولدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار”.

وتشير المادة ٢٦ من الإعلان ذاته إلى أنه “لكلِ شخص حق في التعليم. ويجب أن يوفر التعليم مجَانا، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية. ويكون التعليم الابتدائي إلزاميا. ويكون التعليم الفنِي والمهني متاحا للعموم. ويكون التعليم العالي متاحا للجميع تبعا لكفاءتهم”.

كما تنص المادة على أنه “يجب أن يستهدف التعليم التنميةَ الكاملةَ لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما يجب أن يعزِز التفاهمَ والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو الدينية، وأن يؤيِد الأنشطة التي تضطلع بها الأمم المتحدة لحفظ السلام”.

 

الأوضاع الراهنة في سوريا دفعت بالكثير من النساء إلى أن يكن ربات لأسرهن

 

دور ريادي للمرأة

وتمثل هذه المشاريع، أهمية في وضع المرأة السورية ضمن دور ريادي، ما يحولها من إنسان مستهلك، إلى إنسان منتج ضمن المجتمع الذي تعيش فيه. وتأتي هذه الأهمية، في إطار التوجه الدولي نحو إشراك المرأة في العمل جنبا إلى جنب الرجل، ومنح حق التساوي في الفرصة والمنصب والراتب.

لكن الحالة السورية لها خصوصية، تتمثل في حرمان عدد كبير من الأسر من رب المنزل الذي يعمل خارجه ويأخذ دور المعيل، وذلك بسبب النزيف الكبير في أعداد الذكور الذي خلفته الحرب في البلاد، حيث خسرت البلاد أعدادا ضخمة من ذكورها، بين من قتل خلال القصف أو على جبهات المعارك، وبين من ما زال ملتحقا بهذه الجبهات حتى الآن وحياته معرضة للخطر في أي لحظة، إضافة إلى الذكور الذين هاجروا بحثا عن الأمان وفرص أفضل للحياة، والذين فاقت أعدادهم عن أعداد النساء المهاجرات، وذلك بسبب فرض الخدمة الإلزامية على الرجال ما دفعهم للفرار نحو الدول الأخرى.

ويفاقم الأمر، الوضع الاقتصادي الرديء في سوريا، بسبب الحرب، وذلك نتيجة تراجع قيمة الليرة السورية عشرة أضعاف، حيث يعادل الدولار الواحد ٥٠٠ ليرة اليوم، بعد أن كان يعادل ٥٠ ليرة فقط في عام ٢٠١٠، وتهاوي متوسط الدخل في حين ارتفع متوسط الإنفاق، وبات تأمين ظروف الحياة الأساسية هاجس يشغل العائلات السورية سواء بوجود المعيل أو بغيابه.

كل ذلك أدى بدوره إلى فرض دور المرأة السورية في المجتمع، لتكون في ميادين العمل، وتساهم في الدخل الاقتصادي الفردي للأسرة، كما تساهم في تنمية المجتمع والعدالة القائمة على النوع الاجتماعي، وهو ما يبرز بدوره أهمية المنظمات العاملة على تدريب المرأة مهنيا وتأمين فرصة العمل لها، لكسر العزلة المفروضة عليها، وبالتالي أهمية أن يكون لدى هذه المنظمات قنوات تواصل فريدة وناجعة من أجل الوصول إلى النساء المستهدفات والراغبات في دخول سوق العمل.

 

تم انتاج هذه القصة الحقوقية بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR ومؤسسة دونر الكندية Donner Canadian Foundation .

 

شاهد أيضاً

سجال أميركي روسي في مجلس الأمن بشأن دورهما بسوريا والأمم المتحدة تطالب بإجلاء الأطفال المحاصرين في سجن الحسكة

تبادلت روسيا والولايات المتحدة الاتهامات -خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي- بشأن أحداث مدينة الحسكة شمال …

مناورات روسية مشتركة مع نظام الأسد.. ماذا وراءها؟ وكيف تقرؤها إسرائيل؟

لا يستبعد المحللون العسكريون في إسرائيل أن يكون التحرك الروسي عند خط وقف إطلاق النار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *