جلال بكور/
في عام 1986 في مظاهرة يوم الأرض الفلسطيني بشارع فلسطين في حي مخيم اليرموك جنوب دمشق وقع المعارض “بسام خضر سفر” معتقلا بيد قوات أمن الأسد، كانت تلك الحادثة باب معاناة من نوع آخر، إلا أنها لم تثنه عن مواصلة العمل السياسي المعارض للنظام منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.
“عندما هاجم الأمن المظاهرة تمكنت من الفرار بنفسي إلا أن شقيقتي وشقيقي اشتبكوا بالأيدي مع الأمن فعدت محاولا تخليصهم ليتم اعتقالي معهم ونقلنا إلى قسم الضابطة في منطقة العدوي بدمشق حيث جرى تعذيبي بشكل شديد”، يقول “بسام سفر” لـ”صدى الشام”.
ونقل بعدها إلى فرع فلسطين وبعد شهر أفرج النظام عن أخوته وعاد لاعتقال “بسام” بعد اكتشاف أنه من قيادات “اللجان الشعبية” ليتم إعادته إلى فرع فلسطين حيث اتهم بأنه عضو الارتباط بين “حزب العمل الشيوعي في سوريا” واللجان الفلسطينية، وهذا ما أدى إلى تلقيه أنواعا مختلفة من التعذيب كالشبح والدولاب والكرسي الألماني.
ويروي “بسام سفر” لـ”صدى الشام” أن السجناء كانوا يخرجون ضمن مجموعات عمال السخرة من أجل رؤية ضوء الشمس، وليتنفّسوا بعض الهواء إلا أنه بسبب التعذيب الشديد مع بعض المعتقلين رفضوا الخروج في عمالة السخرة.
وبعد ثلاث سنوات من الاعتقال نقل إلى سجن صيدنايا العسكري المركزي الأول وبعد حرب الكويت أصدر “حافظ الأسد” عفوا، وكان “بسام سفر” من بين المفرج عنهم على قائمة “اللجان الشعبية الفلسطينية”، ورغم التفكير بمغادرة سوريا إلا أنه فضل البقاء والاستمرار في “حزب العمل الشيوعي في سوريا” و”هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي”.
عمل خريج المعهد العالي للفنون المسرحية قسم النقد المسرحي منذ عام 1996 في أكثر من مجال في الثقافة والفنون وأخرج أكثر من عمل مسرحي منها (رسائل سريعة في 2006، كعك عالرصيف 1998) كما أخرج أفلاما وثائقية منها “انتفاضة الاستقلال” عن الانتفاضة الفلسطينية عام 2001، وفيلم “صوت الحق” عن معاناة أطفال فلسطين في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وعمل في قطاع الصحافة مديرا لـ”مجلة الكفاح الفلسطيني” ومستشار تحرير “مجلة بقعة ضوء” وسكرتير “مجلة الحرية الفلسطينية”، كما عمل محررا مركزيا في “ملحق تشرين دراما” ورئيسا لنشرة المساء في “إذاعة القدس”، واستمر في العمل الصحفي مع مجلة “رؤية سورية المستقبل” وموقع “صوت راية” و”مجلة شبكة المرأة السورية” و”مجلة صور”، متزوج ولديه “رند ورام” المقيمين في ألمانيا.
ويتعرض “بسام سفر” للضغوط الأمنية بشكل مستمر منذ خروجه من المعتقل حيث يتم استدعاؤه إلى الفروع الأمنية بشكل شبه دائم ومع عودة الحزب إلى النشاط ازداد التضييق عليه وبعد اندلاع الثورة توقفت الاستداعاءات الأمنية، إلا أنها عادت مؤخرا، وخاصة بعد ترأسه للمكتب التنظيمي لـ”هيئة التنسيق الوطنية الديمقراطية”.
صراع مع النظام
وحاول نظام الأسد منذ وصوله إلى السلطة لجم الحياة السياسية في سوريا من خلال وضع الأحزاب تحت إدارته عبر اختراقها أو ضمها إلى ما يسمى بـ”الجبهة الوطنية التقدمية”، أو من خلال وضع تلك الأحزاب في صراع مباشر مع “رجال الدين” الذين يتبع معظمهم لأمن النظام، ويتلقون خطبهم من الفروع الأمنية.
وأكد “سفر” أن النظام لم ينجح في حرف الصراع من الزاوية الحزبية وما زال شعار إسقاط النظام بكافة رموزه ومرتكزاته هو الشعار الأساسي الذي يعمل عليه “حزب العمل”، مؤكدا على وجود الحزب في “هيئة التفاوض” التي تمثل المعارضة في التفاوض مع النظام، مشددا على أن الحزب لم يدخل في مواجهة مباشرة مع التيارات الإسلامية، مستدركا: “لكننا أصدرنا العديد من البيانات السياسية ضد النصرة وداعش وأخواتها من الفصائل الإسلامية التي تنتمي إلى ذات التيار، هذه الفصائل الجهادية السلفية الإرهابية ارتكبت أكثر من مجزرة بحق الشعب السوري وقمنا بإدانتها، ونحن نصارع كقوة سياسية لا تعمل في المجال العسكري لاضد النظام ولا غيره من المحتلين لأرضنا السورية عملنا يبقى في الإطار السياسي الجماهيري التعبوي.”
وأوضح عضو “حزب العمل الشيوعي” بسام سفر” أن نظام الأسد ومنذ سبعينات القرن الماضي لاحق كوادر الصف الأول والثاني والثالث من “رابطة العمل الشيوعي”، واعتقل معظمهم إلا أن أعضاء نجوا من الاعتقال واستمروا في العمل التنظيمي، إلى أن دفعت الظروف الموضوعية والصراع الدائر نظام الأسد للإفراج عن اليساريين، مما أفسح المجال للعودة إلى العمل السياسي، ما دفع إلى عقد المؤتمر الأول والوحيد لرابطة العمل في لبنان 1981 وخلال ذلك تم اتخاذ قرار بعملية التصويت على تحويل الرابطة إلى حزب سياسي تحت مسمى “حزب العمل الشيوعي في سوريا”.
وبعد عودة المؤتمرين إلى سوريا بدأ النظام بحملة اعتقالات جديدة واستمرت حتى عام 1992 حيث اعتقل النظام “عبد العزيز الخير” وآخر الكوادر التنظيمية للحزب ما أدى إلى فتح الباب أمام النظام لتصفية الحالة التنظيمية للحزب في البلاد.
وقام النظام بتحويل من اعتقلهم إلى “محكمة أمن الدولة” سيئة الصيت والسمعة وكانت المحاكمات من النوع السياسي المغلفة بإطار أمني وفق ما أكده “سفر”، وذلك أدى إلى استمرار اعتقال أعضاء الحزب لسنوات. وتزامنا مع احتلال بغداد من القوات الأمريكية اتخذت لجنة العمل المؤقتة للحزب قرارا بالعودة إلى العمل السياسي باسم “حزب العمل الشيوعي في سوريا” وفي 9 / 4 / 2003 عاد الحزب إلى العمل ودخل ضمن “التجمع الوطني الديمقراطي” إلى أن صدر “إعلان دمشق”، وفي عام 2006 اعتقل النظام فاتح جاموس ومحمود عيسى، قامت بمحاكمتهما، وفي 2009 أثناء التحضير لاجتماع اللجنة المركزية اعتقلت قوات النظام مجموعة من الأعضاء في قرية الصبورة بريف السلمية في محافظة حماة وقدمتهم إلى محكمة أمن الدولة وخرجوا لاحقا في عام 2012.
كيف كنت بعثيا!!
كان المعارض “بسام يوسف” في السنة الأولى الجامعية طالبا في كلية العلوم بجامعة تشرين، عندما تعرف إلى “رابطة العمل الشيوعي” عن طريق عمه الذي كان أحد أعضائها حيث كان يقيم مع عمه في المنزل ذاته، وفق حديث له مع “صدى الشام”.
يقول “بسام يوسف”: “كنت حينها بعثيا ككل الطلاب الذين يتم تنسيبهم آليا إلى حزب البعث، ولم تكن السياسة والمعارضة ذات أهمية كبرى في حياتي، لكن اقتحام عناصر المخابرات للقبو الذي كنا نسكنه أنا وعمي بعد منتصف الليل واعتقاله بطريقة وحشية شكلت صدمة لي، ومنظر غرفته بعد عملية التفتيش التي قام بها عناصر المخابرات دفعني لأن أفكر بمعنى كوني بعثيا، تركت حزب البعث بشكل رسمي، كان الأمر حماقة فما من أحد يكتب بخط يده ورقة يعلن فيها انسحابه من حزب البعث في تلك الفترة. في عام 1983 أصبحت عضوا في حزب العمل الشيوعي، وللمفارقة فإن عمي كان قد ترك العمل السياسي.”
وفي الخامس والعشرين من تشرين الثاني 1987 داهمت دورية من المخابرات العسكرية منزل ذوي “بسام يوسف”، وتم اعتقاله في اللاذقية، ثم نقل إلى فرع فلسطين، ثم إلى فرع التحقيق، ليستقر في سجن صيدنايا المعروف، وأكد “بسام يوسف” أن حملة الاعتقالات التي شنها النظام في ذلك الوقت كانت الأقسى في تاريخ الحزب إذ تم فيها اعتقال النسبة الأكبر من كوادر الحزب ولم يبق في الخارج إلا عدد قليل. ولم تتوقف الحملات أبدا حتى 1992 عندما تمكنت تلك الأجهزة من اعتقال الدكتور “عبد العزيز الخير” ومجموعة من كوادر الحزب.
وأضاف “استعملت كل أساليب التعذيب المعروفة لدى المخابرات السورية مع أعضاء حزب العمل الشيوعي، بدءا من الدولاب وصولا إلى الموت تعذيبا، ومرورا بالصعق بالكهرباء والشبح، والكرسي الألماني وبساط الريح وغيرها.”

وتحدث “بسام يوسف” أنه في 30 أكتوبر 1991 استضافت العاصمة الاسبانية ” مدريد” مؤتمرا للسلام بين الأطراف العربية المعنية بشكل مباشر بالصراع العربي الإسرائيلي وإسرائيل، وكانت سوريا من الأطراف المشاركة، ويومها طلب من حافظ الأسد طي ملف الاعتقال السياسي في سوريا وتحسين سجل سوريا في مجال حقوق الإنسان.
وبحسب “بسام يوسف” لم يكن حافظ الأسد مستعدا لفعل ما طلب منه بخصوص ملف المعتقلين فعمد كعادته إلى الكذب، إذ أطلق سراح قسم من المعتقلين في عفو أصدره أواخر العام 1991 وأحال القسم الآخر إلى “محكمة أمن الدولة العليا الاستثنائية” والتي كان يرأسها في تلك الفترة القاضي سيء الذكر “فايز النوري”.
يضيف “بسام يوسف”: “لم أكن من ذوي الحظ الجيد، لذلك تم تحويلي إلى المحكمة، كانت محكمة بمثابة الفضيحة، وفي المحكمة وجهت لي ثلاث تهم هي معاداة النظام الاشتراكي، والانتساب إلى جمعية سرية بهدف قلب نظام الحكم، ووهن نفسية الأمة، وفي 22 آذار 1993 صدر الحكم بسجني عشر سنوات وتجريدي من كامل حقوقي المدنية والعسكرية، غادرت سجن صيدنايا في 25-11-1997 متوجها الى فرع التحقيق العسكري ومنه إلى فرع فلسطين وبقيت في فرع فلسطين ما يقارب الشهر لأخرج من السجن في الأيام الأخيرة من 1997.”
ويتابع: “يمكن الحديث لأيام طويلة وربما لأشهر عن السجون السورية، فهذه السجون هي بلا مبالغة من أبشع السجون التي عرفتها البشرية في تاريخها الحديث، ليس لجهة التعذيب فحسب، بل على كل الصعد، سواء المعيشية أو الصحية أو النفسية، يكفي أن تعيش داخل مساحات ضيقة لا يتوفر فيها الحد الأدنى من الشروط الصحية، وتزدحم بأضعاف ما تتسع له، وأنت مباح بكل معنى الكلمة فليس لك أي حق، ويمكن لعنصر مخابرات أن يسبب الموت لك دون مساءلة.”
تصفية المعارضة
ويوضح “بسام يوسف” المنسحب من “حزب العمل الشيوعي في سوريا” أن النظام – الذي قرر منذ وصول حافظ الأسد الى السلطة انهاء المعارضة السياسية عبر اعتقالها، أو تدجينها عبر ما سمي بالجبهة الوطنية التقدمية – لم يكن يسمح بنشوء تنظيمات سياسية معارضة فقام بأول حملة اعتقالات ضد “رابطة العمل” في نيسان 1977، ثم أعقبها بحملة واسعة وكبيرة 1978 وأخرى ثالثة 1979.
وأكد أن انتهاكات النظام للحياة السياسية السورية لم تتوقف للحظة واحدة، وبالتالي فإن رابطة العمل الشيوعي كانت في واجهة من هاجمهم النظام في تلك الفترة.
وشدد على أن “تاريخ الانتهاكات والاعتقالات والتصفيات التي قامت بها السلطة الأسدية ضد حزب العمل الشيوعي هو تاريخ طويل ولا يمكن التحدث عنه في حديث صحفي” مضيفا: “يكفي القول أن حملات الاعتقال لم تتوقف منذ عودة من حضروا مؤتمر بيروت.”
حزب الجمهورية
وعلى الرغم من ظهور أحزاب سياسية جديدة بعد اندلاع الثورة السورية إلا أن المواطن السوري لا يعرف بها أو ربما لا يكون قد سمع بها، لظروف من أهمها انكفاء تلك الأحزاب على النخبوية، أو تأسيسها في خارج سوريا، واتهام الكثير منها من قبل السوريين بأنها تابعة لاجندات غير سورية وأهدافها المعلنة هي فقط لتغطية الأجندات الدولية التي تسعى إلى تنفيذها، وعلى الرغم من ذلك تدعي معظم الأحزاب السياسية الوليدة أو القديمة تمثيلها للشعب السوري أو لطموحات الشعب السوري.
انتسب “طريف الخياط” الكاتب الصحفي ومهندس الكهرباء ذو التسعة وثلاثين عاما إلى “حزب الجمهورية” كعضو مؤسس في عام 2014، لأن الحزب يؤمن بالقيم الكونية كـ”حقوق الإنسان والحريات الفردية” ويعتبر الإنسان السوري وكرامته حجر الزاوية الرئيس في بناء الجمهورية الثالثة، كدولة مواطنة ديمقراطية لا تميز بين مواطنيها على أساس الدين والعرق واللون، تلك القيم هي التي يؤمن بها وهو ما دفعه للانتساب إلى “حزب الجمهورية.
وأوضح أن حزب الجمهورية يسعى إلى بناء سوريا حرة ديمقراطية، تؤكد على حكم القانون والفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية… ودولة كتلك، لا يمكن بناؤها دون التأكيد على تناوب السلطة وذلك لضمان عدم النكوص إلى الديكتاتورية مرة أخرى، بحيث يشعر الحاكم حزبا كان او فردا أنه محاسب أمام صندوق الانتخاب، وأن للشعب كلمة يقولها إذا ما ساءته سياسات الحكومة داخليا وخارجيا.
وعن ما يعيق الحزب قال خياط إنه “الاستبداد” الذي يمارسه النظام من قمع للحريات ومنع للحالة السياسية والأحزاب وتزوير الانتخابات وانتهاك الشرائع الدولية.

وأشار إلى أن الاحتلالين الروسي والإيراني الذين ساهما إلى جانب النظام بقمع وقتل وتهجير الشعب السوري هما من أكبر العوائق أمام عمل الأحزاب حيث لا يمكن بناء دولة ذات قرار سيادي ومستقل تحت الاحتلال الذي بات يستخدم النظام الأسدي كنظام عميل وواجهة لتنفيذ مآربه في سوريا. مضيفا: ” يجب ألا نقلل من شأن فوضى السلاح التي وفرت لفصائل متشددة فرض إيديولوجيّاتها على الناس، وقمعت بدورها أي رأي مخالف.”
وعن أي إنجار للحزب قال إنه “لا يمكن لأي تيار سياسي أو حزب أن يعي إنجازات طالما هو خارج السلطة، الإنجاز كما النجاح والفشل يكون عند تولي المسؤولية.”
وأكد على أن “حزب الجمهورية مارس دوره في دعم قضية الشعب السوري في مواجهة الاستبداد الأسدي” منوها على “استقلالية رأي الحزب حتى عندما يتعارض ذلك مع مصالح حلفاء الثورة السورية من دول إقليمية وغيرها والتي وجه الحزب النقد لبعضها في أكثر من بيان خلال سنوات الثورة حين تعارضت سياساتها مع قيم حزب الجمهورية ومبادئه، أو مع المصلحة السورية الأولى في بناء دولة المواطنة الديمقراطية التي لا تفرق بين مواطنيها.”
ويوضح أن “حزب الجمهورية تبنى خطابا قائما على جمع السوريين بدل تفريقهم وإثارة المماحكات فيما بينهم، وانتهج ولا يزال سياسات مد اليد لجميع القوى الديمقراطية السورية والتي أثمرت عن بناء تحالف مع حزب اللقاء الديمقراطي”.
الأداء وطموحات السوريين

وبحسب تصويت أجرته صدى الشام على صفحتها الرسمية في موقع فيس بوك يرى 96 بالمائة من نسبة المصوتين أن أداء المعارضة السورية السياسي كان دون تطلعات الشعب السوري الثائر.
بدوره “بسام يوسف” لم يكن بعيدا في تصوره عن تلك النتيجة حيث قال مؤكدا “أداء كل الأحزاب السياسية بعد انفجار الثورة السورية كان مخيبا جدا، وكشف بوضوح مدى الهشاشة والضعف الذي تعاني منه هذه الأحزاب ومنها حزب العمل الشيوعي.”
وعن أسباب ذلك “قال بسام يوسف”يمكن اختصار ذلك بذكر أهم الأسباب ألا وهي “القمع الشديد الذي تعرضت له هذه الأحزاب، وسحق الطبقة الوسطى في المجتمع، والتي غالبا ما تكون الطبقة المحركة للحياة السياسية في المجتمعات. فضلا عن تجريم العمل السياسي، والتعامل مع المعارضين كخونة، ولا يدفعون وحدهم ثمن هذه المعارضة بل ويدفعه معهم الأهل والأقارب والأصدقاء، الأمر الذي جعل من المعارضين أشبه ما يكونوا بطاعون يتحاشاه الجميع، فضلا عن انسحاب معظم الحواضن الاجتماعية إلى عصبيات وتشكيلات ما قبل الدولة، وهذا الانسحاب تم بإشراف السلطة وبدعم وبتخطيط ممنهج منها، فتم استنهاض العصبيات الطائفية والعشائرية والإثنية والمناطقية و..و..”
وأضاف “عدم انخراط هذه الأحزاب بعمل سياسي حقيقي يتيح لها إنضاج رؤاها وأدواتها، فانغلقت داخل غرف ضيقة لتعيش حياة سياسية متخيلة تستمد محتواها من الكتب والمقارنات مع تجارب شعوب أخرى، ولا تستند إلى قراءة الواقع، كان يمكن للثورة السورية أن تدفع هذه الأحزاب إلى الحياة مجددا وأن تنضج بسرعة أدواتها وقراءتها، فيما لو قرأت وفهمت جيدا التحولات التي ضربت عميقا داخل بنية المجتمع السوري، لكنها للأسف ظلت متمسكة بأدواتها النظرية القديمة فعاشت لاهثة وراء الأحداث منفعلة بها وليست فاعلة فيها أبدا.”
وأكد “لم يكن حزب العمل خارج هذه العطالة التي تسم كل الأحزاب السياسية في سوريا، رغم أنه كان يمتلك – برأيي – القدرة أكثر من غيره على اجتراح أدوات جديدة، لكن للأسف الشديد لم يستطع فعل ذلك واندمج مع باقي الأحزاب في حالة العطالة غير الفاعلة. الأقسى من حالة العطالة هذه هو قراءة لوحة الصراع قراءة غير ثورية، أغفلت إلى حد كبير عناصره الرئيسية وغيبت جوهره، فأنتجت هذه القراءة مواقف ساهمت بإضعاف حضور الحزب في ساحة الفعل، وفي وجدان من كانوا يعلقون آمالا عليه.”
القمع هو السبب
وبحسب ماقاله المعارضة “بسام سفر” فإن ممارسات نظام الأسد ضد الأحزاب السياسية أدت إلى تراجع الأداء السياسي لها، حيث أعاد النظام الحالة السياسية السورية المدنية إلى حالة طائفية عائلية عشائرية، أبعدت التحول الوطني الديمقراطي عن ساحة العمل السياسي، في ظل غياب تام للشعب صاحب المصلحة الحقيقية في التغيير.
وأوضح أنه عند بدء الثورة كانت القوى السياسية منهكة وغير قادرة على العمل بالشكل المطلوب حيث أصر النظام النظام على الحل الأمني ودخلت القوى الإسلامية وفتح المجال أمام القوى المضادة للثورة من خلال السلفية والجهادية لتسيطر التنظيمات المتطرفة على مساحة من سوريا، وهو ما سعى إليه النظام حيث أراد تطييف وطمس معالم الثورة. وذلك سهل ربط العديد من الأجندات السياسية بأجندات خارجية خاصة القوى التي تؤمن بالدور الخارجي وربط سوريا بأحلاف خارجية للوصول إلى عملية التغيير فأصبحت سوريا وقواها السياسية رهنا للأجندات الخارجية.
ورغم مرور ما يقارب سبع سنوات لم تستطع القوى السياسية السورية الارتقاء بعملها لتقارب طموحات الشعب السوري وهذا ما يبعد الشعب السوري عن التغيير الديمقراطي نحو مشاريع سياسية أخرى لا تقارب هموم الشعب السوري في التغيير الوطني السوري، وفق ما يراه “بسام سفر”.
المشكلة في الأحزاب
أما “طريف الخياط” المستقبل من “حزب الجمهورية” يرى أنه لا شك في أن أداء الأحزاب السورية المعارضة لم يكن على قدر تطلعات الشعب السوري.
وأكد على “أن التحول نحو العسكرة هو نتيجة ظروف موضوعية، أهمها أولا قمع النظام للثورة بشكل همجي ومتوحش ومستفز الأمر الذي وفر الأرضية لدى الناس لحمل السلاح بغية الدفاع عن أنفسهم في بادئ الأمر، وثانيا توفر إرادة إقليمية ودولية لتوفير سلاح يكفي لاستنزاف النظام عسكريا لكن دون إسقاطه، وثالثا، شعبوية بعض الأحزاب، وخصوصا الدينية منها أو حلفائها والمحسوبين عليها والتي استحضرت خطابا غرائزيا وجهاديا في بعض الأحيان بهدف زيادة شعبيتها، بما خدم النظام وأضر بصورة الثورة كثورة حريات وحقوق.”
وأوضح أن “الأداء ليس مرضيا في أحسن الأحوال، والمشكلة هنا تتألف من شقين، فكما أسلفنا، لا يمكن إهمال أثر النظام في احتكاره المجال السياسي وكتمه لأي صوت معارض على نظرة الشعب السوري للسياسة، بمعنى آخر، صحيح أن الأحزاب السورية المشكلة في مرحلة ما قبل الثورة وبعدها، تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية، سواء من جهة خطابها الذي يصفه البعض بخشبي وغير الجذاب أو من جهة عدم قدرتها على هدم الأسوار العالية فيما بينها وبين الشعب السوري، إذ فشلت في إيصال رسالتها أو حتى فشل بعضها في تمثيل إرادة الشعب السوري ومصالحه، لكن في حقيقة الأمر فإن السياسة كغيرها ممارسة، والاحزاب السورية لا تملك هذه الخبرة، كما أن ممارسات النظام تسببت بنفور السوريين من السياسة، أو حتى فهمها فقط كأداة يستفيد منها الطامعون بالسلطة في مرحلة ما بعد النظام. تلك حقائق يجب توضيحها للشعب أولا، إذ لا تقوم دولة حديثة دون أحزاب ولا تقوم أحزاب دون قواعد جماهيرية تلتف حولها. أي أن الأحزاب بحاجة إلى فهم دورها في التواصل مع الشعب وتمثيل مصالحه والسوريين يجب أن يراجعوا فهمهم للسياسة كأداة لتمثيلهم وحل مشاكلهم تحت قبة البرلمان، هنا مرة أخرى يجب ألا نقلل من أهمية الخطاب الشعبوي الغرائزي الذي استخدمه البعض والذي صعب مهمة القوى الديمقراطية.”
أجندات دولية وفشل سياسي

وأضاف “طريف الخياط” أن الأجندات الدولية أثرت بشكل سلبي على مجمل مسار الثورة السورية، ويمكن القول أن هناك قضايا تطابقت فيها مصالح الثورة مع مصالح تلك الدول، لكن أيضا هناك مواضع تعارضت فيها تلك المصالح، دون أن تتخذ بعض الأحزاب موقفا واضحا يؤكد على مصالح سوريا وشعبها، وقد ترك ذلك عميق الأثر على مؤسسات الثورة وهيئاتها وتسبب بصراعات كثيرة أضرت بالعمل الجماعي والمؤسسي والتوافق المطلوب للمضي في مواجهة نظام مجرم قل نظيره.
ويؤكد المعارض المستقل “خالد سعيد” لـ”صدى الشام” أن القوى السياسية السورية المعارضة الفاعلة فشلت في تشكيل جسم سياسي قادر على قيادة ثورة أو حتى على فرض بعض الشروط التي تيسّر عملية الانتقال من حال الشمولية الدكتاتورية إلى حال تداول السلطة تبعا لدستور ديمقراطي عصري، بل فشلت في الحفاظ على زخم الدعم الدبلوماسي والإعلامي العالمي الذي قوبلت به الثورة السورية خلال السنة الأولى من انطلاقتها.
وأضاف: “لقيت القوى التي شكلت المجلس الوطني ومن ثم الإئتلاف دعما ماديا ومعنويا إقليميا ودوليا ولكنها فشلت في أن تكون رافعة نضالية وأخلاقية، ما لم نقل أن رائحة الفساد في مؤسسات قيادة الثورة زكمت الأنوف، وفشلت أيضا في الحفاظ على احترام العالم لثورة الشعب السوري، الذي دفع ضرائب هائلة من دم أبنائه، وتعدد جباة تلك الضرائب القاسية، وتم تقديس الأحذية واللحى التي داست وشربت من الدم السوري، وأعاقت مشروع التغيير الديمقراطي.”
مضيفا أن الأحزاب الجديدة لم تتمكن أيضا “من لعب دور يتجاوز حال عجز القوى التقليدية، فالأقطاب القوية للصراع دفعت إلى تورط أغلب القوى في التحالف المباشر أو غير المباشر مع قوى عسكرية/سياسية، إقليمية و/ أو محلية، أقل ما يقال فيها أنها معادية للتطلعات الديمقراطية ومحكومة بمفاهيم فاشية…”
وشدد على أن الرهان على تلك القوى كان خاسرا وبدورها لم تتمكن من تمثيل الشعب السوري لا بالمعنى البرنامجي ولا بالمعنى الفعلي.
وأكد على أنه من بين أهم الأسباب للفشل هو “ارتباط العديد من القوى بل وسعيها الواضح والمباشر لتنفيذ برامج قوى إقليمية ومديح أنظمة أقل ما يقال فيها أنها غير ديمقراطية!”
ومن جانبه أشار المعارض المستقل “خالد سعيد” إلى أن أداء “حزب العمل” وأغلب الأحزاب غير الدينية تراجع بعد سيطرة القوى الدينية سواء على الهيكل السياسي للإئتلاف أو على السلاح.
وتحدث عن “ممارسة الكثير من البروباغندا الإعلامية ضد الكثير من القوى المعارضة، التي لم تستظل بمظلة القوى الدينية، ونشأت قبيل وأثناء وبعيد انطلاق الثورة في سورية قوى واعدة مثل حركة نبض وحركة شمس وحركة معا وحركة أحفاد الكواكبي وغيرها في الكثير من المدن ولكنها حوصرت من النظام بطبيعة الحال ومن الحركة الدينية التي مارست القمع بدورها حتى ضد العسكريين المنشقين عن جيش النظام في حال عدم خضوعهم.”
وأكد المعارض على أن هدف الثورة بتبسيط شديد هو “إقامة نظام مدني ديمقراطي، وأراه متناقضا مع تلك الأحكام (قل المهازل والمآسي) التي قام بها الشرعيون في المناطق التي سيطرت عليها القوى الدينية، والتي جعلت الكثيرين من السوريين يقلبون أكفهم وشفاههم ويسألون: أهذه هي الثورة؟.”
الحل
وعن ما يجب فعله من قبل الأحزاب السياسية الوليدة بعد الثورة أو المولودة قبل الثورة لتكسب القاعدة الشعبية، يقول “خالد سعيد”: “أعتقد أنه على القوى الوليدة أن تشكل قوة دفع باتجاه تخليص الثورة والمجتمع السوريين مما علق بهما من وباء طائفي وقومي وانتقامي وكيدي، وأن تسعى لإيجاد رابط بين السوريين بعيدا عن التكتيكات الفهلوية التي تسعى إلى تقسيم المجتمع إلى أكثريات وأقليات لها علاقة بتحدر الفرد من طائفة أو عرق أو قومية وهو الأمر الذي لم يختره أي سوري بل أي كائن بشري.”
وأضاف: “هذا الرابط يمكن أن يكون في توجه فعلي نحو دولة مدنية ديمقراطية يتم فيها فصل الدين عن الدولة، وتحترم كل المعتقدات ولا تخضع لأي منها، بل تخضع لقانون عصري يضمن الحريات السياسية ويبني الشرط اللازم لحرية الإنسان الفرد ويحترم الحقوق البسيطة التي يعيشها الناس فوق كوكبنا منذ زمن بعيد مثل حق التعبير عن الرأي.”
ويشير “خالد سعيد” إلى أن “وجود قوة من هذا الطراز أكثر خطرا على النظام بكثير من القوى الجهادية والدينية التي عرفتها المدن والبلدات السورية، والتي خدمت تثبيت أركان النظام أكثر بكثير مما خدمت تطلعات الشعب السوري.”
وأوضح أن “الإنهاك الذي يعيشه الشعب السوري، والارتكابات التي تمت، وتعهير المفاهيم، والديماغوجيا التي عايشها الناس، تزيد من صعوبة استعادة ثقة الناس بالقوى السياسية.”
ويشار إلى بعض الأحزاب والقوى السياسية السورية انقسمت خلال السنوات الماضية وتعددت توجهاتها وممارساتها، فمنها من واصل عمليات القمع ضد الشعب السوري على أسس أثنية وقومية ومنها على أسس دينية وطائفية، ولا يتسع المجال حاليا للحديث عنها وسوف نتناولها في وقت لاحق.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث