الرئيسية / مواد مختارة / العمال في القطاع الخاص السوري.. ضعف الرواتب وانتهاكات واستغلال

العمال في القطاع الخاص السوري.. ضعف الرواتب وانتهاكات واستغلال

عمار الحلبي/

في صباح كل يوم، يغادر “سالم” منزله في ريف محافظة إدلب، منذ أول الصباح، ولا يعود حتى آخر المساء، بحثا عن لقمة العيش لأسرته.

“سالم سعيد العكش”، شاب متزوج ولديه أربع أولاد، هجّره نظام الأسد من ريف حمص الشمالي مع آلاف المدنيين، وانتهى به المطاف في مدينة سراقب بريف إدلب.

ويعمل “سالم”، مذ تهجر في ورشة لبخ السيارات في المنطقة الصناعية بسراقب بهدف إعالة أسرته المكونة من ستة أفراد.

يقول “سالم” لـ “صدى الشام”: “أتوجه كل يوم إلى العمل في الثامنة صباحا، ولا أعود حتى غروب الشمس، حيث أعمل في هذه المهنة الشاقة عشر ساعات يوميا”.

يعود “سالم” كل يوم إلى منزله منهكا من مشقة العمل، حاله كحال عشرات الآلاف من العمال الذين يعملون في القطاع الخاص في الشمال السوري في الورشات، والمصانع، والمحلات..الخ، غير أن الدخل مقابل هذه المشقة يعتبر قليلا.

 

 

وفي هذا السياق يشير “سالم” إلى أن راتبه يتحدد بحسب السيارات التي يبخها شهريا، ولكنه يتراوح ما بين ١٠٠ – ١٥٠ دولار أمريكي، ويؤكد الشاب أن هذا الراتب لا يكفي إطلاقا لتدبر أموره وأمور عائلته قائلا: “أطفالي الأربعة صغار وبحاجة إلى مصروف ضخم، فضلا عن ثمن أجرة المنزل الشهري الذي نعيش فيه ومتطلبات الحياة الرئيسية كالطعام والغذاء والوقود والماء والأدوية والاتصالات وغيرها.”

في مقابل هذا العمل الشاق يحصل “سالم” على عطلة ليوم واحد أسبوعيا وهو يوم الجمعة، موضحا أن هذه العطلة لا تكفي لتؤمن له الراحة، وتحقق له الأجواء العائلية والاجتماع مع أسرته بشكل كاف، فضلا عن عدم وجود أي عطلة سنوية، حيث يبرر “سالم” ذلك بأن المصانع هذه غير منظمة ولا تحتوي على أي عطلة سنوية.

كما أن هذا العمل الشاق يتم دون أي تأمينات، فلا يوجد أي تأمين على صحته في حال تعرض لإصابة عمل، كما أنه لا يوجد أي تأمين اجتماعي في حال طرد من عمله، مؤكدا أن جميع العاملين في المنطقة الصناعية الذين يبلغ عددهم بالمئات لا يحصلون على أي تأمين، ويقول أيضا إن عمله شاق جدا ولكنه اعتاد عليه، كونه مهنته منذ زمن بعيد.

يعمل من الصباح حتى المساء
يعمل من الصباح حتى المساء

 

على غرار “سالم”، فإن معظم العاملين في سوريا، يعانون من ظروف مشابهة، تتمثل في تشغيلهم في بيئات عمل تابعة للقطاع الخاص، لكنها لا تحقق لهم معايير السلامة والضمانة الرئيسية المعمول بها في كل أنحاء العالم، كما أن هؤلاء العاملين يعانون من تشغيل لساعات عمل طويلة، فضلا عن عدم كفايتهم من ناحية الأجور والرواتب، وذلك تزامنا مع الانخفاض الحاد الذي تعاني منه الليرة السورية منذ سنوات، والذي أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار معظم السلع والبضائع عليهم في حين بقيت رواتبهم منخفضة.

وينسحب الحال ذاته على العمال الذين يقيمون في مناطق النظام، غير أن هؤلاء يعانون من مصاعب أكبر تتمثل في أن أجورهم أقل مما هي عليه في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

يوم راحة واحد ليس كافيا لامضاء وقت طويل مع الأسرة
يوم راحة واحد ليس كافيا لامضاء وقت طويل مع الأسرة

 

ويشكل ذلك انتهاكا واضحا للقانون رقم ١٧ الذي صدر في عام ٢٠١٠، والذي من المفترض أن يتمثل دوره في حماية العاملين في القطاع الخاص، من حيث الأجور المناسبة وساعات العمل المناسبة، وحصولهم على كافة التأمينات الصحية والاجتماعية وحفظ كرامتهم خلال العمل.

وتوثق “صدى الشام” في هذا التقرير، حكايات لعاملين اثنين، أحدهما في مناطق المعارضة وهو “سالم”، والثاني في مناطق النظام واختار أن يكون اسمه المستعار “عصام”، وتختلف المناطق التي يعمل لها كل من العاملين، غير أن الاتفاق يتمثل في الأجور القليلة وساعات العمل الطويلة والمعاناة اليومية في تحصيل رزقهم مع انخفاض الرواتب.

 

وتعتبر فئة العمال العاملين في القطاع الخاص في سوريا، من الفئات التي لم يتم تسليط الضوء عليها إطلاقا من قبل وسائل الإعلام، حيث تعاني هذه الفئة من تهميش وانتهاكات بحقها من قبل أرباب العمل وسط صمت مطبق على هذه الظاهرة العامة التي تجتاح سوريا من أقصاها إلى أقصاها.

 

عصام ومعاناته اليومية

يعمل عصام في ورشة ضخمة للخياطة في منطقة صحنايا، وهي إحدى الضواحي الغربية المحيطة بالعاصمة دمشق، وتنقسم إلى جزء صغير صناعي وكبير سكني.

في الورشة ثمة نحو ١٣٩ عاملا بتصنيفات ووظائف مختلفة، معظمهم يعملون على حياكة الملابس النسائية وتنسيق أقمشتها وتغليفها في الأكياس ضمن ما يعرف بـ “أمبلاج”.

يقول “عصام” عبر اتصال “واتس آب” مع “صدى الشام”: “أعمل في هذه الورشة منذ نحو عامين وثمانية أشهر، وقدمت إليها بعد أن تم طردي من ورشة سابقة كنت أعمل فيها بسبب خلاف جرى بيني وبين المسؤول عن الموظفين”، موضحا أن الخلاف كان عاديا وقد يقع ضمن أي بيئة عمل، ولكن تم طرده على إثره وبقي لأربعة أشهر دون عمل.

لدى “عصام” ثلاث أولاد، اثنين منهم في المرحلة الابتدائية من المدرسة، في حين تحتاج زوجته إلى غسيل كلى متكرر، وهو ما يزيد صعوبات الحياة عليه.

يشرح “عصام”: “أعمل ١١ ساعة يوميا، وبواقع عطلة يوم واحد فقط وهو يوم الجمعة، وأحصل على مبلغ ٦٠ ألف ليرة شهريا مقابل هذا العمل “نحو ١٢٠ دولار أمريكي”.

بالمقابل، يدفع “عصام” مبلغ ٣٥ ليرة كأجرة منزله فقط، عدا عن فواتير المياه والكهرباء والاتصالات والمواصلات والطعام والشراب وتكاليف إرسال أولاده إلى المدارس وعمليات غسيل الكلى المتكررة لزوجته.

في إحدى المرات طلب “عصام” زيادة في الأجرة من رب العمل فما كان منه إلا أن خيره بالبقاء على ذات الأجرة أو ترك العمل، وأبلغه أن هناك الكثير من العمال الجاهزين للعمل بنفس الراتب.

يعتبر الثلاثيني أن سكوت العمال على هذا الواقع وعدم وجود جهات تضمن حقوقهم هو ما أتاح الفرصة أمام أصحاب العمل لاستغلالهم، لافتا إلى أنه لا يرى أولاده إلا مرة أو مرتين في الأسبوع بسبب غيابه عن المنزل ما لا يقل عن ١٤ ساعة كل يوم.

يتدبر “عصام” نفسه عن طريق حوالة شهرية يرسلها له شقيه المغترب المقيم في دولة الكويت، حيث يتم إرسال مبلغ بالعملة الصعبة يعادل راتب “عصام”، ما يمكنه من تأمين الحد الأدنى من احتياجاته.

يتحدث “عصام” عن المعاملة السيئة والمهينة التي تعرض هو لها كما تعرض لها الكثير من العمال، والتي تشمل الطرد دون إعلام مسبق أو أي تعويض، أو الإهانة بالكلام، والتشغيل بشكل مرهق دون استراحات.

وتحدث عن أحد المواقف: “كنا نعمل في الورشة فاخترقت إبرة ماكينة الخياطة يد أحد العمال وكان بحاجة لإسعاف لأن غرز الإبرة كان عميقا وخطيرا”.

وأوضح أنه في هذه اللحظة لم يبادر رب العمل لمساعدته أو إسعافه حيث أسعفه عمال كانوا هناك ودفع من جيبه أجرة العلاج وثمن الدواء، كما لم يتم تعويضة بسبب بقائه أسبوعين في المنزل ريثما تمتثل يده للشفاء، حيث تم خصم هذه الفترة من راتبه.

 

عجز في ميزانية العمال

وفقا للقاءات أجرتها “صدى الشام” مع عدة عمال، تبين أن متوسط الرواتب سواء في مناطق النظام أو في مناطق المعارضة للعمال يتراوح بين ٨٠ –  ١٥٠ دولار أمريكي، حسب خبرة العامل ونوع العمل ومشقته.

ووفقاً للنسخة الأخيرة من مؤشر “Numbeo” لمتوسط الراتب الشهري الصادرة عام 2017، عن متوسط الرواتب في بلدان العالم العربي، جاءت سوريا في ذيل القائمة، حيث يناهز متوسط الرواتب 99 دولارا فقط، أما في مصر التي سبقتها بقليل، فمتوسط الدخل الشهري لا يتجاوز الـ161 دولارا في الشهر الواحد، بينما حلت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الأولى عربيا.

وتشير مؤشرات قياس تكاليف المعيشية في سوريا، إلى أن مجموع تكاليف الأسرة السورية خلال شهر تصل إلى نحو 297 ألف ليرة تقريبا، ويعتبر هذا المبلغ هو “حد الكفاية” أي يحقق أساسيات الحياة فقط، يتوزع هذا المبلغ على الطعام والشراب وإيجار المنزل والمواصلات والاتصالات والطبابة والخدمات الأساسية والتعليم وغيرها.

 

القانون حبر على ورق

وتأتي كل هذه الانتهاكات على الرغم من وجود قانون تم سنه في عام ٢٠١٠ يدعى القانون رقم ١٧، والغرض منه تنظيم علاقة العامل في القطاع الخاص مع رب عمله، غير أن مواد هذا القانون لا تلق أي تطبيق، فهي عبارة عن حبر على ورق، وذلك بسبب استمرار الانتهاكات ضد العمال سواء في مناطق النظام أو حتى في مناطق المعارضة.

وحللت “صدى الشام” هذا القانون، فتبين احتواءه على مواد تضمن حقوق العاملين، لكنها لا تطبق، حيث تنص المادة ٤٧ من هذا القانون في الفقرة (أ) على التزام صاحب العمل بتحرير عقد العمل المبرم مع العامل كتابته وباللغة العربية على ثلاث نسخ لكل من الطرفين نسخة ونسخة باللغة الأجنبية في حال كان العامل غير عربي ويلتزم صاحب العمل بإيداع الثالثة لدى مديرية التأمينات الاجتماعية المختصة خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تحرير العقد” ولكن على الرغم من هذه المادة فإن معظم العمال في القطاع الخاص في سوريا يعملون دون عقود.

وبحسب المادة ٤٨ من القانون ذاته فإن العقد يجب أن يتضمن اسم وجنسية وعنوان كل طرف بشكل واضح ومفصل، وتحديد مقر العمل وطبيعة العمل ومدة العقد ونوعه والأجر المتفق وساعات العمل والحقوق والمزايا الممنوحة للعامل، حيث يعتبر غياب هذا العقد هو المسمار الأول في نعش حقوق العامل.

أما المادة ٥٣ من هذا القانون فتجيز لرب العمل إنهاء عقد العمل قبل المدة المحددة ولكن شريطة أن يدفع للعامل أجوره عن المدة المتبقية من العقد، وهو ما غاب عن حالة “عصام” وحالات أخرى كثيرة.

كما تلزم المادة ٩٣ من القانون صاحب العمل بضرورة تقديم الرعاية الصحية للعامل، وتقديم الوجبة الغذائية للعاملين الذين تتطلب ظروفهم وطبيعة عملهم منحهم هذه الوجبة، إضافة إلى تسجيل جميع العاملين لديه في التأمينات الاجتماعية.

أما فيما يخص ساعات العمل، تحددها المادة ١٠٦ من هذا القانون قائلة في الفقرة (أ): “لا يجوز تشغيل العامل تشغيلا فعليا أكثر من ثماني ساعات في اليوم الواحد أو 48 ساعة في الأسبوع لا تدخل فيها الفترات المخصصة لتناول الطعام والراحة”.

وتنص الفقرة (ب) على ضرورة تنظيم ساعات العمل وفترات الراحة بحيث لا يتطلب وجود العامل في مكان العمل أكثر من عشر ساعات في اليوم الواحد.

وتمنح المادة ١٢١ من هذا القانون العاملة التي أمضت ستة أشهر متصلة لدى صاحب العمل إجازة أمومة بكامل الأجر مدتها على أن تكون ما بين 1-120 يوما عن الولادة الأولى، وما بين 2-90 يوما عن الولادة الثانية، وما بين 3- 75 يوما عن الولادة الثالثة فقط.

وحول الإجازة السنوية، فإن المادة ١٥٥ من هذا القانون تعطي العامل الحق بإجازة سنوية لمدة أربعة عشر يوم عمل بأجر كامل لمن أمضى في الخدمة سنة كاملة ولم تتجاوز مدة خدمته خمس سنوات.

وتزاد الإجازة إلى واحد وعشرين يوم عمل متى أمضى العامل في الخدمة خمس سنوات ولم تتجاوز مدة خدمته عشر سنوات.

كما تزاد الإجازة إلى ثلاثين يوم عمل لمن أمضى في الخدمة عشر سنوات فأكثر أو تجاوز الخمسين من عمره.

 

لا تطبيق للمعايير العالمية

تنشر “منظمة العمل الدولية” معاييرا صارمة للتعامل مع العاملين وحقوقهم، غير أن هذه المعايير غير مطبقة في سوريا.

وتقول المنظمة على موقعها الالكتروني الرسمي: “لم تصادق معظم الدول العربية على اتفاقيتين رئيسيتين: الاتفاقية رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم لعام 1948 والاتفاقية رقم 98 بشأن تطبيق مبادئ حق التنظيم والمفاوضة الجماعية لعام 1949”.

وبحسب المنظمة، فإن إعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، الذي اعتمده مؤتمر العمل الدولي في عام 1998، يضمن التزام الدول الأعضاء، سواء صادقت أم لم تصادق على الاتفاقيات ذات الصلة، باحترام وتعزيز المبادئ والحقوق التي تناولها إعلان، وتشمل حرية تشكيل الجمعيات والإقرار الفعلي بحق المفاوضة الجماعية.

ومن القضايا الأخرى ذات الاهتمام، التي تتحدث عنها معايير المنظمة، هو توفير رعاية صحية عالية الجودة بأسعار معقولة للسكان. وتتصف برامج الضمان الاجتماعي غير القائمة على الاشتراكات، مثل برامج المساعدة الاجتماعية، عادة بأنها مجزأة وضعيفة التنسيق مع البرامج القائمة على الاشتراكات.

أما فيما يخص الضمانات الاجتماعية، فتبين المنظمة، أن معظم الدول العربية اليوم تركز على توفير المعاشات التقاعدية في حين أنها لا تغطي مخاطر أخرى كالبطالة والأمومة والمرض أو تغطيها جزئيا فقط.

وتواجه بعض برامج التأمين التقاعدي تحديات من حيث الفعالية والإنصاف والاستدامة والإدارة، في الوقت الذي لا تزال فيه شرائح كبيرة من السكان خارج نطاق تغطيتها.

وتشمل معظم أنظمة الضمان الاجتماعي عمال القطاع العام والقطاع الخاص المنظم بعقود طويلة الأجل، وتحرم فئات العمال الأخرى. ويسهم ارتفاع معدلات التوظيف في القطاع غير المنظم وتدني معدلات مشاركة المرأة في سوق العمل وارتفاع مستويات البطالة في تدني معدلات تغطية هذه الأنظمة، وهو ما لم يكن مطبقا في سوريا، سواء في مناطق النظام أو المعارضة.

 

تم انتاج هذه القصة الحقوقية بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR ومؤسسة دونر الكندية Donner Canadian Foundation

 

شاهد أيضاً

سجال أميركي روسي في مجلس الأمن بشأن دورهما بسوريا والأمم المتحدة تطالب بإجلاء الأطفال المحاصرين في سجن الحسكة

تبادلت روسيا والولايات المتحدة الاتهامات -خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي- بشأن أحداث مدينة الحسكة شمال …

مناورات روسية مشتركة مع نظام الأسد.. ماذا وراءها؟ وكيف تقرؤها إسرائيل؟

لا يستبعد المحللون العسكريون في إسرائيل أن يكون التحرك الروسي عند خط وقف إطلاق النار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *